الَّذي دلَّت عليه الآيات أنَّه كان من المسجِد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهُناك مَن يرى أنَّه بدأ الإسراء من بيت أم هانئ - رضي الله عنها - ثمَّ إلى بيت الله الحرام ثمَّ إلى المسجد الأقصى، ووجهتُهم أنَّ الحرام ينطبق على الحرَم كله [9] .
رابعها: التَّعبير بلفظ"العبوديَّة"في الآية بقوله:"أسرى بعبده"يُشعر كما قال الإمام القرطبي:"قال العلماء: لو كان للنَّبىّ - صلَّى اللَّه عليْه وسلَّم - اسمٌ أشرف منْه لسمَّاه به في تلك الحالة العليَّة، وقال أيضًا: قال القشيرى: لمَّا رفعه الله - تعالى - إلى حضرته السنيَّة، وأرقاه فوق الكواكب العلويَّة، ألزمه اسم العبوديَّة؛ تواضعًا للأمَّة" [10] .
خامسُها: ما في الآية من بلاغةٍ؛ حيث بدأت الآية بكلمة"سبحان"، وفي التَّعبير بها دلالة على وجوب تنْزيه الله - تعالى - من كلِّ نقص، ومن النَّقص أن نقيس قدرتَه سبحانه بقدرة غيره؛ ومن هنا كانت النسبة لفعل الإسراء لنفسِه سبحانه، بقوله:"سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ"عبَّر بكلمة"أسرى"، ومعروف أنَّ السرى لا يكون إلاَّ ليْلاً، ثمَّ جاء بعدها بكلمة"ليلاً"نكرة؛ للدّلالة على أنَّ هذه الرِّحلة لم تستغرق اللَّيل كلَّه؛ بل جزء يسير منْه [11] ، كما جاء أنَّ النَّبيَّ - صلَّى اللَّه عليْه وسلَّم - رجع وما زال فراشه دافئًا، والتَّعبير عن"المسجد الأقصى"، سمِّي أقصى لبعد مسافته عن المسجد الحرام.
سادسها: فضل المسجد الأقصى؛ فقد ثبت أنَّ النَّبيَّ - صلَّى اللَّه عليْه وسلَّم - قال: (( صلاة فيه تعدل خمسمائة صلاة فيما سواه ) ) [12] ، وهو أحد المساجد الَّتي يجوز شدُّ الرِّحال إليها كما ثبت عنْه أنَّه قال: (( لا تشد الرِّحال إلاَّ لثلاثةِ مساجد - وذكر من بينها المسجد الأقصى ) ) [13] .