قال الحاكم:"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه؛ فإن محمد بن كثير صدوق"، والحاكم كما هو معلوم انتُقد كثيرًا على أحكامه على الأحاديث في"المستدرك"، ويظهر انتقاده هنا بوضوح؛ فإن محمد بن كثير هذا لم يخرج له أحد الشيخين شيئًا، ومع هذا فهو مضَعف من قبل حفظه، ويشتد ضعفه إذا روى عن معمر، وهذا من روايته عنه. قال عبد الله بن الإمام أحمد: ذكر أبي محمد بن كثير فضعّفه جدًا، وضعّف حديثه عن معمر جداً، وقال: هو منكر الحديث، وقال: يروي أشياءَ منكره.
والصواب في هذا الحديث رواية ابن جرير له في تفسيره (17/ 335) عن ابن شهاب الزهري، عن ابن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن مرسلًا، والمرسل من أنواع الضعيف، ومع ذلك فذكر الارتداد لم يرد من قولهما، وإنما ذكره عبد الله بن وهب من قوله، وابن وهب هو الرواي للحديث عن يونس بن يزيد، عن الزهري.
فإن قيل: ورد خبر الارتداد أيضًا في حديث ابن عباس عند الإمام أحمد (1/ 374 رقم 3546) ، والنسائي في"الكبرى" (11383) ، وغيرهما، وصححه ابن جرير الطبري في"تهذيب الآثار" (17) ، وابن كثير في تفسيره (5/ 26) .
فالجواب: أن هذا الحديث ليس فيه دلالة على أنهم كانوا مؤمنين، ولفظه عند هؤلاء:"فقال ناس: نحن لا نصدق محمدًا بما يقول، فارتدّوا كفارًا، فضرب الله أعناقهم مع أبي جهل ..."الحديث.
فقوله:"فارتدوا كفارًا"لا يدل على أنهم كانوا مؤمنين، وإنما يدل على أنهم بعد أن رأوا هذه الآية العجيبة، وهي أنهم تحدّوا النبي صلى الله عليه وسلم - أن يثبت صدقه في أنه أسري به إلى بيت المقدس، ثم رجع في ليلة، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم - يصف لهم بيت المقدس وصفًا دقيقًا، وهم يعلمون أنه لم يره، وأخبرهم بعيرهم التي في الطريق، وهذه آية عظيمة تستوجب من كفار مكة الإيمان بصدق نبوته صلى الله عليه وسلم - ولكنهم مع هذا كله قالوا: نحن لا نصدق محمدًا بما يقول، فبدلًا من الإيمان ارتدّوا إلى كفرهم.