فتتنزل رحمة الله به في رحلة أرضية سماوية تخفف عنه، وتمسح على جبينه، وتكفكف دمعه، وتربط على كتفيه، وتشعره أنه ليس وحده في هذا الوجود، وإنما معه ربُّه لا ينساه، ومعه مولاه يرعاه، ويرعاه:"سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا" [الإسراء: 1] ، والباء هنا بمعنى"مع"، فالسُّرَى فيه مصاحبة ومَعِيَّة، واستخدام كلمة"عبده"لبيان التسامي، والرقي، فهو قدَّم أسباب الصحبة، وعوامل القرب، وهي الإخبات وإظهار التذلل لله، والعبودية لجلاله وقدسيته، وجاءت كلمة (ليلا) لتبين الجلال والتملِّي، والمهابة والقدسية، وأنها رغم عظمتها وكبر حجمها إلا أنها لم تأخذ إلا بعض وقت ولم تستغرق كل الليل إنما استغرقت وقتا يسيرا قليلا، تناسبه تنكير كلمة (ليلا) ، والليل - كما هو معروف - مجمع الحنان، ووقت التسرية والأمان، حيث التأمل والتفكير، والتسبيح والنور، والطهر والنقاء، وحيث طِيبُ الهواء، ونقاء الأجواء، وحيث يبدو الصفاء، ويحل البهاء. ومن تلك الغايات كذلك إظهارُ أن السماء لا تتخلى عن الأرض أبدا، ما دام في الأرض مسبِّح عابد، ومُخْبِتٌ داع، تتنزل الرحمات والهبات، ويكون الإرشاد والعظمات والتساند والفيوضات والعطاءات، وهو درس كبير من دروس الإسراء، حتى يعمل الدعاة ولا يقلوا ويجتهدوا ولا يملوا. ومنها كذلك ضرورة أن يفهم الداعية أن الحركة مطلوبة؛ والدأب أساس في العمل الدعوي، وأنه إذا ما تصلب قوم تجاه داعية ما فعليه أن يرحل إلى مكان آخر يبلغ دعوة ربه، ويسعى لنشر دينه مهما كلفه ذلك من سفر ومشاق وابتلاء وقطع للأرزاق، ودماء وأشلاء؛ فإن طريق الدعاة طويل، وامتحانهم كبير، والمتصدون لهم كُثرُ:"وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ" [الفرقان: 31] و"وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا" [الأنعام: 112] .