وأما ثاني تلك الغايات فهو التسلية والتسرية عن حبيبه محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو مفهوم من معنى الإسراء وهو التسرية والتخفيف، حيث بلغ بقريش معه حدا بعيدا من الظلم والتجنِّي والاضطرار إلى الخروج، وحيث أٌدْمِيَتْ قدماه الشريفتان، وهذا يتجهم، وذلك يحاول التصدي له وامتلاك دعوته، وثالث يساومه على تركها، حتى قال الرسول الكريم:"اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس برحمتك يا رب العالمين، أنت رب المستضعفين وأنتَ ربي إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدوٍّ ملكتَه أمري؟ إنْ لم يكن بك غضبٌ عليَّ فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسعُ لي، أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن يحلَّ بي سخطك، أو ينزلَ عليَّ غضبك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بكَ"، دعاءُ الحبيب للحبيب، فيه إخباتٌ وخشوع، وخضوع ودموع، رقة متناهية، توكُّل صادق، يقينٌ كامل بنصرة الله - جل جلاله.
دعاء المضطر، الذي بذل كل ما لديه، واتخذ كلَّ الأسباب، فهذا الدعاء يُرْفَعُ بعد زيارته الطائفَ، واضطهاد أهل مكة له، فخرج بدعوته إلى حيث يستجاب لها، وحيث تَنْتَشِر، ومضى يمشي على قدميْه حتى فوجئ بهؤلاء الطائفيين يرمونه بالحجارة، ويُغْرُونَ به سفهاءَهم وصبيانهم - صلى الله عليه وسلم.