ومن المفكرين المغرقين في ربط آيات الكتاب الحكيم بالعلم ربطًا وثيقًا: أستاذنا الشيخ طنطاوي جوهري - رحمه الله - وقراءة تفسيره الجواهر - على إمتاعها، وفتْحها لآفاق كان يجب أنْ يرتادها المسلمون - تُبرِّر الحكم على صنيعه بالإغراق، وقد كتَب كثير كتابات مُمتعة لا تنقصها الرُّوح العلمية ولا المنهج العلمي في العلاقة بين القرآن والطب، وبينه وبين علم النفْس، وبينه وبين الفلك.
ولست بصدد محاكمة الفريقين على الموقف المبدئي لكلٍّ منهما من علمية القرآن الكريم؛ لكني سأشير فقط إلى ما يخص الإسراء والمعراج من آراء كلٍّ منهما، مع بيان ما فيه من تجاوُز.
إن القول بعلمية القرآن لا يعني لدى القائلين به أنَّ القرآن كتاب هندسة أو كتاب فلك، ولكنه يعني أن القرآن إذا تعرَّض لآية كونية أو إنسانية لغرض الهداية إلى عظمة الخالق أو إلى الصراط المستقيم في السلوك - قد تبلغ عباراته من الدقة مبلغَ الصياغات العلمية الحديثة، وقد تُشير إلى الحقائق العلمية أو تتمشى معها، ولا تصطدم بها، أو لا تضع الحوائل في طريقها، أو تُمهد الطريق للوصول إليها، ناهيك بما في القرآن من حثٍّ على العلم، وتقديرٍ للعلماء، والنعْي على إهمال النظر والتفكير والتعقُّل، وبما فيه من تأصيل للمنهج العلمي كما صاغَه العلم الحديث.
فالخطأ ليس في القول بعلمية القرآن بهذا المعنى، ولكن الخطأ في عدم اتخاذ منهج سليم لا يعرض تفسير القرآن الكريم لأنْ يتأثر بتغيير الصياغات للقوانين العلمية.
ويتلخَّص هذا المنهج في تفسير القرآن الكريم على ضوء العلم الحديث - فيما نرى - في أن ما نصل إليه ونَفهمه من القرآن الكريم، هو صياغة أو إشارة، أو عدم تعارُضٍ، أو اتساع لحقيقة علمية، ولا ندَّعي أن ما نَفهم هو مراد الله تعالى على الحقيقة، كما كان يدعي بعض الأقدمين، وكفَّر بعضهم بعضًا بسبب ذلك، فإذا تغيَّرت الصيغة العلمية، كان الخطأ في فَهْمنا لمراد الله تعالى من آياته، لا لمراد الله تعالى في ذاته.