ومنها: فرض الصلاة خمسين أولاً ثم ردت إلى خمسٍ فيه حُجَّة لمن يُجوّز النسخ قبل التمكين من الفعل, فإن الله تعالى فرضها خمسين ثم نسخها إلى خمس قبل أن يُمكنهم من العمل.
ومنها: مراجعة موسى دون إبراهيم لأنه كان له شريعة بأحكام التوراة كما قال: {وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ} [آل عمران 65] ورأى موسى من بني إسرائيل ما أخبر به حيث خبَرهم وجَرَّبهم وعالجهم أشد المعالجة وقد كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام إمام الملة وموسى إمام الشريعة.
ومنها: أن في قوله عليه الصلاة والسلام: «فرجعتُ إلى ربي» , وقول موسى: «فارجع إلى ربك» , وقوله: «فلم أزل أتردد بين موسى وبين ربي» حجة قاطعة على إثبات علوّ الربّ سبحانه وتعالى على خلقه وأنه يصعد إليه الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه وأن الملائكة تعرج إليه وتنزل من عنده.
ومنها: أنه في تردّده بين ربه وبين موسى فيقول: «فحَطّ عني عشراً ... ثم عشراً ... ثم عشراً» وكذلك هو في الصحيحين من حديث أنس بن مالك من رواية شريك عنه, وفي رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أنه قال: «فحَطّ عني خَمساً» وهو في أفراد مسلم والأوّل أصح لأنه المتفق عليه عن أنس عن مالك بن صعصعة ومن حديث أنس نفسِه أيضاً «عشراً عشراً» فرواية الحط خمساً غلط من الراوي والله أعلم, وقد يُقالُ لفظ حديث أنسٍ لا يقتضي أن التردد كان كله بخمس خمس وإنما فيه أنه قال بعد حط الخمس أنه قال: «فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى حتى قال يا محمد إنهن خمس صلوات ... » الحديث.
وليس في هذا ما يدل على أن هذا التردد كان بخمس خمس, ولا يمنع أن التردد كان قبل الخمس بعشر عشر ثم بالخمس والله أعلم.