أما ما حدث في المعراج ، فآيات كبرى سماوية لا يستطيع الرسول صلى الله عليه وسلم التدليل عليها أمام قومه ، فأراد الحق سبحانه أنْ يجعل ما يمكن الدليل عليه من آيات الأرض وسيلة لتصديق ما لا يوجد دليل عليه من آيات الصعود إلى السماء ، وإلا فهل صعد أحد إلى سدرة المنتهى ، فيصفها له رسول الله؟
إذن: آية الأرض أمكن أنْ يُدلّل عليها ، فإذا ما قام عليها الدليل ، وثبت للرسول خَرْق نواميس الكون في الزمن والمسافة ، فإنْ حدّثكم عن شيء آخر فيه خَرْق للنواميس فصدِّقوه ، فكأن آية الإسراء جاءت لِتُقرِّب للناس آية المعراج.
فالذي خرق له النواميس في آيات الأرض من الممكن أنْ يخرق له النواميس في آيات السماء ، فالله تعالى يُقرِّب الغيبيات ، التي لا تدركها العقول بالمحسّات التي تدركها.
ومن ذلك ما ضربه إليه مثلاً محسوساً لمضاعفة النفقة في سبيل الله إلى سبعمائة ضعف ، فأراد الحق سبحانه أنْ يُبيّن ذلك ويُقرِّبه للعقول ، فقال: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261] .
ومن لُطْف الله سبحانه بعقول خَلْقه أنْ جعل آيات الإسراء بالنصّ الملزم الصريح ، لكن آيات المعراج جاءت بالالتزام في سورة النجم ؛ لذلك قال العلماء: إن الذي يُكذِّب بالإسراء يكفر ، أما مَنْ يكذِّب بالمعراج فهو فاسق.
لكن أهل التحقيق يذهبون إلى تكفير مَنْ يُكذِّب المعراج أيضاً ؛ لأن المعراج وإنْ جاء بالالتزام فقد بيّنه الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف ، والحق سبحانه يقول: {وَمَآ آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ..} [الحشر: 7] .