وحتى بعد انتهاء حادث الإسراء كانت الرؤيا الصادقة نوعاً من التسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان كلما اشتدتْ به الأهوال يُريه الله تعالى ما حدث له لِيُبيّن له حفاوة السماء والكون به صلى الله عليه وسلم ؛ ليكون جَلْداً يتحمل ما يلاقي من التعنت والإيذاء.
أما من قال: إن الإسراء كان من بيت أم هانيء ، فهذا أيضاً ليس محلاً للخلاف ؛ لأن بيت أم هانيء كان مُلاصِقاً للمطاف من المسجد الحرام ، والمطاف من المسجد.
إذن: لا داعي لإثارة الشكوك والخلافات حول هذه المعجزة ؛ لأن الفعل فِعْل الحق سبحانه وتعالى ، والذي يحكيه لنا هو الحق سبحانه وتعالى ، فلا مجالَ للخلاف فيه.
وقوله تعالى: مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى... { [الإسراء: 1] .
المسجد الحرام هو بيت الله: الكعبة المشرفة ، وسُمّي حراماً ؛ لأنه حُرّم فيه ما لم يحرُمْ في غيره من المساجد. وكل مكان يخصص لعبادة الله نسميه مسجداً ، قال تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ..} [التوبة: 18] .
ويختلف المسجد الحرام عن غيره من المساجد ، أنه بيت لله باختيار الله تعالى ، وغيره من المساجد بيوت لله باختيار خَلْق الله ؛ لذلك كان بيت الله باختيار الله قِبْلة لبيوت الله باختيار خَلْق الله.
وقد يُراد بالمسجد المكان الذي نسجد فيه ، أو المكان الذي يصلح للصلاة ، كما جاء في الحديث الشريف:".. وجُعِلَتْ لي الأرض مسجداً وطهوراً".
أي: صالحة للصلاة فيها.
ولا بُدَّ أن نُفرِّق بين المسجد الذي حُيِّز وخُصِّص كمسجد مستقل ، وبين أرض تصلح للصلاة فيها ومباشرة حركة الحياة ، فالعامل يمكن أن يصلي في مصنعه ، والفلاح يمكن أن يصلي في مزرعته ، فهذه أرض تصلح للصلاة ولمباشرة حركة الحياة.
أما المسجد فللصلاة ، أو ما يتعلق بها من أمور الدين كتفسير آية ، أو بيان حكم ، أو تلاوة قرآن.