نقول: حدث الإسراء ليلاً ، لتظلَّ المعجزة غَيْباً يؤمن به مَنْ يصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلو ذهب في النهار لرآه الناس في الطريق ذهاباً وعودة ، فتكون المسألة - إذن - حِسيّة مشاهدة لا مجالَ فيها للإيمان بالغيب.
لذلك لما سمع أبو جهل خبر الإسراء طار به إلى المسجد وقال: إن صاحبكم يزعم أنه أُسْرِي به الليلة من مكة إلى بيت المقدس ، فمنهم مَنْ قلّب كفَّيْه تعجُّباً ، ومنهم مَنْ أنكر ، ومنهم مَن ارتد.
أما الصِّدِّيق أبو بكر فقد استقبل الخبر استقبالَ المؤمن المصدِّق ، ومن هذا الموقف سُمِّي الصديق ، وقال قولته المشهورة:"إن كان قال فقد صدق".
إذن: عمدته أن يقول رسول الله ، وطالما قال فهو صادق ، هذه قضية مُسلَّم بها عند الصِّدِّيق رضي الله عنه.
ثم قال:"إنَّا لَنُصدقه في أبعد من هذا ، نُصدِّقه في خبر السماء (الوحي) ، فكيف لا نُصدّقه في هذا"؟
إذن: الحق سبحانه جعل هذا الحادث مَحكّاً للإيمان ، ومُمحِّصاً ليقين الناس ، حين يغربل مَنْ حول رسول الله ، ولا يبقى معه إلا أصحاب الإيمان واليقين الثابت الذي لا يهتز ولا يتزعزع.
لذلك قال تعالى في آية أخرى: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ..} [الإسراء: 60] .
وهذا دليل آخر على أن الإسراء لم يكُنْ مناماً ، فالإسراء لا يكون فتنة واختباراً إلا إذا كان حقيقة لا مناماً ، فالمنام لا يُكذِّبه أحد ولا يختلف فيه الناس.
لكن لماذا قال عن الإسراء (رُؤْيَا) يعني المنامية ، ولم يقُلْ"رؤية"يعني البصرية؟
قالوا: لأنها لما كانت عجيبة من العجائب صارت كأنها رؤيا منامية ، فالرؤيا محل الأحداث العجيبة.
وورد في الإسراء أحاديث كثيرة تكلَّم فيها العلماء: أكان بالروح والجسد؟ أكان يقظة أم مناماً؟ أكان من المسجد الحرام أم من بيت أم هانيء؟ ونحن لا نختلف مع هذه الآراء ، ونُوضِّح ما فيها من تقارب.