ووجه الاقتصار على وصف المسجد الأقصى في هذه الآية بذكر هذا التبريك أن شهرة المسجد الحرام بالبركة وبكونه مقام إبراهيم معلومة للعرب ؛ وأما المسجد الأقصى فقد تناسى الناس ذلك كله ، فالعرب لا علم لهم به والنصارى عفوا أثره من كراهيتهم لليهود ، واليهود قد ابتعدوا عنه وأيسوا من عوده إليهم ، فاحتيج إلى الإعلام ببركته.
وحولَ يدل على مكان قريب من مكان اسم ما أضيف (حولَ) إليه.
وكونُ البركة حولَه كنايةٌ عن حصول البركة فيه بالأوْلى ، لأنها إذا حصلت حوله فقد تجاوزت ما فيه ؛ ففيه لطيفة التلازم ، ولطيفة فحوَى الخطاب ، ولطيفة المبالغة بالتكثير.
وقريب منه قول زياد الأعجم:
إنّ السماحةَ والمروءة والندى
في قبةٍ ضُربت على ابن الحشرج...
ولكلمة {حوله} في هذه الآية من حسن الموقع ما ليس لكلمة (في) في بيت زياد ، ذلك أن ظرفية (في) أعم.
فقوله: (في قبة) كناية عن كونها في ساكن القبة لكن لا تفيد انتشارها وتجاوزها منه إلى ما حوله.
وأسباب بركة المسجد الأقصى كثيرة كما أشارت إليه كلمة {حوله} .
منها أن واضعه إبراهيم عليه السلام ، ومنها ما لحقه من البركة بمن صلى به من الأنبياء من داوود وسليمان ومن بعدهما من أنبياء بني إسرائيل ، ثم بحلول الرسول عيسى عليه السلام وإعلانه الدعوة إلى الله فيه وفيما حوله ، ومنها بركة من دُفن حوله من الأنبياء ، فقد ثبت أن قبري داوود وسليمان حول المسجد الأقصى.
وأعظم تلك البركات حلول النبي صلى الله عليه وسلم فيه ذلك الحلول الخارق للعادة ، وصلاته فيه بالأنبياء كلهم.
وقوله: {لنريه من آياتنا} تعليل الإسراء بإرادة إراءة الآيات الربانية ، تعليلٌ ببعض الحِكَم التي لأجلها منح الله نبيئه منحة الإسراء ، فإن للإسراء حِكماً جمة تتضح من حديث الإسراء المروي في"الصحيح".