قوله عز وجل: {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ} الباء من صلة {أَنْزَلْنَاهُ} ، أي: أنزلنا القرآن بالحق، أي: بسبب إثبات الحق وإقامته. وقد جوز أن تكون في موضع الحال، إما من الفاعل بمعنى: أنزلناه ملتبسين بالحق أو محققين،
أو: ومعنا الحق. أو من المفعول، أي: أنزلناه: ملتبسًا بالحق، أو: ومعه الحق، أو غير مشكوك فيه، كقوله: {لَا رَيْبَ فِيهِ} .
وقوله: {وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} يحتمل أيضًا أن تكون من صلة {نَزَلَ} ، أي: ونزل بالحق، وأن تكون في موضع الحال، أي: ملتبسًا أو غير مشكوك فيه، ونحو هذا.
وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} (مبشرًا ونذيرًا) حالان من الكاف، أي: مبشرًا للمؤمنين ونذيرًا لهم، يعني: تبشرهم بالجنة، وتنذرهم من النار، أو مبشرًا للمؤمنين ونذيرًا للكافرين.
{وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (106) } :
قوله عز وجل: {وَقُرْآنًا} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: منصوب بفعل مضمر يفسره {فَرَقْنَاهُ} ، أي: وفرقنا قرآنًا فرقناه، ونصب ولم يرفع وإن كان جائزًا، لأن قبله فعل وفاعل فاختير النصب لذلك.
والثاني: عطف على قوله: {مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} أي: مبشرًا ونذيرًا وذا قرآن، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
والثالث: منصوب على تقدير: وآتيناك قرآنًا، دل عليه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى} والمختار الوجه الأول وعليه الجمهور.
فإن قلت: ما محل {فَرَقْنَاهُ} من الإعراب على الأوجه المذكورة؟ قلت: أما على الوجه الأول: فلا محل له لأنه مفسر، وأما على الثاني والثالث: فمحله النصب على النعت لقرآن.
والجمهور على تخفيف الراء في (فَرَقْناه) ، وقرئ: (فَرَّقْنَاهُ) مشددًا، بمعنى: فصلناه ونزلناه مفرقًا شيئًا بعد شيء.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قرأ مشددًا، وقال: لم ينزل في يومين أو ثلاثة بل كان بين أوله وآخره عشرون سنة. قيل: والتخفيف في معناه. وقيل: معناه فرقناه بين الحق والباطل، فلما حذف الجار وصل الفعل إليه فنصب. وقيل: معناه: بيناه.
وقوله: {لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ} من صلة {فَرَقْنَاهُ} .