قوله عز وجل: {لَقَدْ عَلِمْتَ} قرئ: بفتح التاء، على الخطاب لفرعون، لأنه قد علم وتحقق صحة ما جاء به عليه الصلاة والسلام، بشهادة قوله جل ذكره: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} . أي: لقد علمت أن هذه المعجزات لم ينزلها إلا الله عز وجل، ولكنك عاندتَ.
وبالضم، على إسناد الفعل إلى موسى - عليه السلام - على معنى: إني لست بمسحور كما وصفتني، بل عالم بصحة الأمر، وإنَّ هذه المعجزات منزلها رب السموات. وبالفتح قرأ ابن عباس - رضي الله عنهما - محتجًا بقوله سبحانه: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} قائلًا: إنَّ علم موسى لا يكون حجة على فرعون.
وقوله: {بَصَائِرَ} انتصابها على الحال من {هَؤُلَاءِ} ، أي: عِبَرًا ودلالات، أو على المفعول له، أي: للعبر.
وقوله: {وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا} أي: لأعلم وأتيقن، وإنَّما جيء بلفظ الظن دون العلم لأجل التشاكل. و {مَثْبُورًا} : مفعول ثان للظن، وكذا {مَسْحُورًا} ، والمثبور: المُهْلَكُ، ثَبَرْتُهُ، أي: أهلكته، والمثبور أيضًا: المحبوس عن الخير المصروف عنه، من قولهم: ما ثبرك عن هذا؟ أي: ما منعك وصرفك؟
{فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (103) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104) } :
قوله عز وجل: {جَمِيعًا} حال من فرعون ومن معه.
وقوله: {جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا} حال أيضًا بمعنى: جميعًا، وهو فعيل بمعنى الجمع، وهم المختلطون من كل شكل، يقال: جاؤوا بلفهم ولفيفهم، أي: وأخلاطهم، وهم المجتمعون من قبائل شتى. وقيل: هو مصدر كالنكير والنذير، فيكون مصدرًا في موضع الحال، أي: مجتمعين، أو: ذوي لفيف.
{وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105) } :