وقوله: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} أي: وأَمَرَ بأن تحسنوا بالوالدين إحسانًا، ولا يجوز أن تكون الباء في {وَبِالْوَالِدَيْنِ} من صلة قوله: {إِحْسَانًا} ، لأن ما كان في صلة المصدر لا يتقدم عليه، وقد مضى الكلام على قوله: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} في"البقرة"بأشبع من هذا.
وقوله: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ} أصل (إِمَّا) : إنْ مَا، فإن هي الشرطية، وما
مزيدة، زيدت عليها تأكيدًا لها، فلزم الفعل الذي هو فعل الشرط نون التوكيد وهو {يَبْلُغَنَّ} ، ولو جردت (إن) من (ما) لم يصح دخول النون فيه، والجزاء: {فَلَا تَقُلْ} . و {أَحَدُهُمَا} : فاعل {يَبْلُغَنَّ} ، و {أَوْ كِلَاهُمَا} : عطف عليه.
وقرئ: (يبلُغانِّ) على التثنية، وإنما ثُني ضمير الفعل لتقدم ذكر الوالدين، فالألف فاعل الفعل، و {أَحَدُهُمَا} بدل من الألف، و {أَوْ كِلَاهُمَا} عطف على {أَحَدُهُمَا} ، وحكمه [حكمه] فاعلًا كان أو بدلًا، فاعرفه فإنّ فيه أدنى غموض.
قال الزمخشري: فإن قلت: لو قيل: إما يبلغان كلاهما، كان (كلاهما) توكيدًا لا بدلًا، فما لك زعمت أنه بدل؟ قلت: لأنه معطوف على ما لا يصح أن يكون توكيدًا للاثنين، فانتظم في حكمه فوجب أن يكون مثله. فإن قلت: ما ضرك لو جعلته توكيدًا مع كون المعطوف عليه بدلًا، وعطفت التوكيد على البدل؟ قلت لو أريد توكيد التثنية لقيل: كلاهما فحسب، فلما قيل: أحدهما أو كلاهما علم أن التوكيد غير مراد، فكان بدلًا مثل الأول، انتهى كلامه.
وقد جوز أن يكون {أَحَدُهُمَا} على قراءة من قرأ: (يبلغانِّ) فاعل فعل مضمر دل عليه هذا الظاهر، وهو فعل ألف الضمير الراجع إلى الوالدين تقديره: إن بلغ أحدهما أو كلاهما.
وأن يكون الألف في (يبلغان) [حرفًا بمنزلة التي] في قولك: (قاما أخواك) ، فيكون ارتفاع {أَحَدُهُمَا} بالفعل المذكور، والوجه هو الأول لسلامته من الدَّخَل والرد.