وإنما أقسم اللعين هذا القسم على أنه سيفعل بذرية آدم ما ذكره لعلم قد سبق إليه من سمع استرقه أو أنه استنبط ذلك من قول الملائكة: أتجعل فيها من يفسد فيها، وقيل علم ذلك من طبع البشر لما ركب فيهم من الشهوات أو ظن ذلك لأنه وسوس لآدم فقبل منه ذلك ولم يجد له عزماً، كما روي عن الحسن، أو قاله لما ظنه من قوة نفوذ كيده في بني آدم، وأنه يجري منهم في مجاري الدم، وأنهم بحيث يروج عندهم كيده وينفق لديهم وسوسته، إلا من عصم الله كالأنبياء وصلحاء هذه الأمة وهم المرادون بقوله:
(إلا قليلاً)
قيل: [[من كل ألف واحد] ]، وفي معنى هذا الاستثناء قوله تعالى سبحانه (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) ويؤيده ما ذكرناه قوله تعالى (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه) فإنه يفيد أنه قال ما قاله هنا اعتماداً على الظن.
(إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا(107)
أي يسقطون على وجوههم ساجدين لله سبحانه، وإنما قيد الخرور وهو السقوط بكونه للأذقان أي عليها لأن الذقن وهو مجتمع اللحيين أول ما يحاذي الأرض، قال الزجاج: لأن الذقن مجتمع اللحيين، وكما يبتدئ الإنسان بالخرور للسجود فأول ما يحاذي الأرض به من وجهه الذقن.
وقيل المراد تعفير اللحية بالتراب فإن ذلك غاية الخضوع، وإيثار اللام في (للأذقان) على (على) للدلالة على الاختصاص فكأنهم خصوا أذقانهم بالخرور. انتهى انتهى {فتح البيان في مقاصد القرآن} ...