والثاني: أنَّ «مَا» في معنى الزمان؛ فيكون مستثنى من الزمنِ العامِ المقدر، والمعنى: إنَّ النَّفس لأمارة بالسوءِ في كل وقتٍ وأوانٍ، إلاَّ وقت رحمة ربِّي إيَّاها بالعصمةِ.
ونظره أبو البقاءِ بقوله: {وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} [النساء: 92] ، وقد تقدَّم [النساء: 92] أنَّ الجمهور لا يجيزون أن تكون «أنْ» واقعة موقع ظرف الزمان.
والثالث: أنه مستثنى من معفولِ «أمَّارةٌ» ، أي: لأمَّارة صاحبها بالسُّوءِ إلا الذي رَحِمَهُ اللَّهُ، وفيه إيقاع «مَا» على العاقل.
والرابع: أنه استثناء منقطع، قال ابن عطيَّة: وهو قول الجمهور. وقال الزمخشريُّ: ويجوز أن يكن استثناء منقطعاً، أي: ولكن رحمةُ ربي التي تصرفُ الإساءة؛ كقوله: {وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا} [يس: 43، 44] .
{قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) }
«فَإِنْ قِيلَ» : لِمَ طلب يوسف الإمارة، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لعبدِ الرَّحمنِ بن سمُرة: «يَا عَبْدَ الرَّحمنِ: لا تَسْألِ الإمَارَةَ» ؟
وأيضاً: فكيف طلب الإمارة من سُلطانٍ كافرٍ؟
وأيضاً: لِمَ لَمْ يصبر مُدَّة فأظهر الرغبة في طلب الإمارة؟
وأيضاً: لم طلب أمر الخزائنِ في أوَّل الأمْرِ، مع أنَّ هذا يورثُ نوع تهمةٍ؟
وأيضاً: كيف مدح نفسه بقوله: «إني حفيظ عليم» ؟
مع أنه تعالى قال: {فَلاَ تزكوا أَنفُسَكُمْ} [النجم: 32] .
وأيضاً ما الفائدة في قوله: «إنِّي حفيظٌ عليمٌ» ؟
ولِمَ لَمْ يقل: إن شاء الله تعالى؛ لقوله تعالى {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله} ؟
فالجواب أن الأصل في جواب هذه المسألةِ: أنَّ التَّصرف في أمور الخَلقِ كان واجباً عليه فجاز له أن يتوصل إليه بأي طريق كان إنما قلنا إن ذلك التصرف كان واجبابً عليه لوجوه:
الأول: أنه كان رسُولاً حقًّا من الله تعالى إلى الخلق، والرسول تجب عليه مصالحُ الأمةِ بقدر الإمكانِ.