الرَّابِعُ - أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ فَرْضًا مُتَعَيِّنًا عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ غَيْرُهُ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* وَدَلَّتِ الْآيَةُ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَصِفَ نَفْسَهُ بِمَا فِيهِ مِنْ عِلْمٍ وَفَضْلٍ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَلَيْسَ هَذَا عَلَى الْإِطْلَاقِ فِي عُمُومِ الصِّفَاتِ، وَلَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ فِيمَا اقْتَرَنَ بِوَصْلِهِ، أَوْ تَعَلَّقَ بِظَاهِرٍ مِنْ مَكْسَبٍ، وَمَمْنُوعٌ مِنْهُ فِيمَا سِوَاهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَزْكِيَةٍ وَمُرَاءَاةٍ، وَلَوْ مَيَّزَهُ الْفَاضِلُ عَنْهُ لَكَانَ أَلْيَقَ بِفَضْلِهِ، فَإِنَّ يُوسُفَ دَعَتْهُ الضَّرُورَةُ إِلَيْهِ لِمَا سَبَقَ مِنْ حَالِهِ، وَلِمَا يَرْجُو من الظفر بأهله.
(وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ(56)
يُرْوَى أَنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ لَا يَشْبَعُ مِنْ طَعَامٍ فِي تِلْكَ السِّنِينَ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَجُوعُ وَبِيَدِكَ خَزَائِنُ الْأَرْضِ؟ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ إِنْ شَبِعْتُ أَنْ أَنْسَى الْجَائِعَ، وَأَمَرَ يُوسُفُ طَبَّاخَ الْمَلِكِ أَنْ يَجْعَلَ غِذَاءَهُ نِصْفَ النَّهَارِ، حَتَّى يَذُوقَ الْمَلِكُ طَعْمَ الْجُوعِ.
فَلَا يَنْسَى الْجَائِعِينَ، فَمِنْ ثَمَّ جَعَلَ الْمُلُوكُ غِذَاءَهُمْ نِصْفَ النَّهَارِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ)
أَيْ بِإِحْسَانِنَا، وَالرَّحْمَةُ النِّعْمَةُ وَالْإِحْسَانُ.
(وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) أَيْ ثَوَابَهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَوَهْبٌ: يَعْنِي الصَّابِرِينَ، لِصَبْرِهِ فِي الْجُبِّ، وَفِي الرِّقِّ، وَفِي السِّجْنِ، وَصَبْرِهِ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ عَمَّا دَعَتْهُ إِلَيْهِ الْمَرْأَةُ.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَاخْتُلِفَ فِيمَا أُوتِيَهُ يُوسُفُ مِنْ هَذِهِ الْحَالِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ ثَوَابٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا ابْتَلَاهُ.
الثَّانِي - أَنَّهُ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ تَفَضُّلًا مِنْهُ عَلَيْهِ، وَثَوَابُهُ بَاقٍ عَلَى حَالِهِ فِي الْآخِرَةِ.