وقد اختلفَ العلماء في حكم القتالِ في الأشهرِ الحُرُمِ ، هل تحريمُهُ باقٍ أمْ
نُسِخَ ؟
فالجمهورُ على أنَّه نُسِخَ تحريمُهُ ، ونصَّ على نسخِهِ الإمامُ أحمدُ وغيرُهُ
من الأئمةِ.
وذهب طائفةٌ من السَّلَفِ ، منهم عطاءٌ ، إلى بقاءِ تحريمِهِ ، ورجَّحه
بعضُ المتأخرين واستدلُّوا بآية المائدةِ.
والمائدةُ من آخرِ ما نزلَ من القرآنِ ،
وقد رُوِي:"أحِلُّوا حلاَلَها وحرِّمُوا حرامَهَا".
وقيل: ليس فيها منسوخ. وفي"المسندِ"أنَّ عائشةَ - رضي الله عنها - ، قالتْ:"هي آخرُ سورةٍ نزلتْ ، فما وجدتُم فيها من حلالٍ فاسْتحِلُّوه ، وما وجدتم فيها من حرامٍ فحرمُوه"
وروى الإمامُ أحمدُ في"مسندهِ": حدثنا إسحاقُ بن عيسى.
حدثنا ليثُ بنُ سعدٍ ، عن أبي الزُّبير ، عن جابرٍ ، قال: لم يكن رسولُ اللَّهِ
-صلى الله عليه وسلم - يَغْزُو في الشَّهرِ الحرامِ إلا أنْ يُغْزَى ويَغزو فإذا حضرَهُ أقامَ حتَّى ينسلخَ.
وذكر بعضُهم أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حاصرَ الطائفَ في شوَّالٍ ، فلمَّا دخلَ ذو القعدةِ لم يُقاتِلْ ، بل صابرَهُم ، ثم رجعَ.
وكذلك في عمرةِ الحديبية لم يُقاتِلْ ، حتّى بلغه أنَّ عثمانَ قُتِلَ ، فبايَعَ على القتالِ ، ثم لمَّا بلغَه أنَّ ذلك لا حقيقةَ له كفَّ.
واستدلَّ الجمهورُ بأن الصحابةَ اشتغلُوا بعدَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بفتح البلادِ ، ومواصلةِ القتالِ والجهادِ ، ولم يُنقل عن أحدٍ منهم أنَّه توقَّف عن
القتالِ ، وهو طالبٌ له في شيء ٍ من الأشهرِ الحُرُم ، وهذا يدُلُّ على اجتماعهم
على نسخ ذلك ، واللَّهُ أعلمُ.
ومن عجائب الأشهرِ الحُرُمِ ما رُوي عن عبدِ اللَّهِ بن عمرِو بن العاصِ: أنَّه
ذكر عجائبَ الدنيا ، فعدَّ منها بأرضِ عادٍ عمودَ نُحاسٍ ، عليه شجرةٌ من
نحاسٍ ، فإذا كان في الأشهرِ الحُرُم قطرَ منها الماءُ ، فملؤوا منه حياضَهم.