وقد أخبر الله تعالى بذلك حيق قال: {وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} [فصلت: 26] . وإن كان الأصل في الجهر للتدبر والاتعاظ فلا بعد في زوال العلة وبقاء الحكم. وهذا الجواب ليس بشيء فإنه لو كان كذلك لما أسر في بعض الصلوات وجهر في بعضها فإن قيل كان الكفار ينتشرون في صلاة النهار فلذلك أسر فيها، قيل يبطل هذا بصلاة الجمعة وصلاة العيدين. ثم إن صلاة الليل منها ما يسر للعلى التي ذكروها وقد قال قوم إن معنى الإنصات المأمور به في الآية أن لا يجهر بالقراءة منازعًا الإمام وإذا أخفى ذلك لم يخرج عن الإنصات. وقيل بل المراد به السكوت حتى لا يقرأ البتة إلا عند فراغ الإمام.
(204) - قوله تعالى: {فاستمعوا له وأنصتوا} :
محمل هذه الآية عند الأكثر على ظاهر اللفظ ولذلك يحتج به العلماء في المسائل المتقدمة ونحوها. وقال الزجاج: يجوز أن يكون فاستمعوا وأنصتوا بمعنى اعملوا بما فيه ولا تجاوزوه. وإذا كان على ما قاله الزجاج فلا حجة فيه لشيء من المسائل المتقدمة والأظهر حمل اللفظ على حقيقته.
(205) - قوله تعالى: {واذكر ربك في نفسك تضرعًا وخيفة ودون الجهر من القول} :
وقد تقدم الكلام على نحوه في هذه السورة وذكرنا الاختلاف في الذكر هل يكون دون حركة اللسان أم لا. ويدل على أنه لا يراع إلا بحركة اللسان قوله تعالى في هذه الآية: {ودون الجهر من القول} .
وقوله: {بالغدو والآصال} : اختلف فيه. فقيل معناه: دأبًا في كل يوم وفي أطراف النهاء وقيل هذه الآية كانت في صلاة المسلمين قبل فرض الصلوات الخمس. وقيل بالغدو: صلاة الصبح، والآصال صلاة العصر. انتهى انتهى {أحكام القرآن، لابن الفرس الأندلسي. 3/} ...