وقد اختلف في رفع الأيدي في غير الصلاة، ففي المذهب قولان: الكراهة والجواز. فمن أجازه رآه من التضرع الذي أباحه الله تعالى والزيادة في الخشوع. ومن كرهه رآه من التضرع في الدعاء الذي نهى الله تعالى عنه. ورأى ابن عمر قومًا رافعي أيديهم في الصلاة فقال: من يتناول هؤلاء فوالله لو كانوا على رأس أطول جبل ما ازدادوا من الله قربًا. وإلى هذا ذهب جبير بن مطعم وابن المسيب. والذين أجازوا الرفع اختلفوا في الكيفية. فقيل ظهورهما مما يلي الوجه وبطونهما مما يلي الأرض. وإلى هذا ذهب مالك في المشهور عنه. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك حديث. وقيل بطونهما بما يلي الوجه. وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إذا سألتم الله تعالى فاسألوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها ) )وقال بعضهم إن كل ذلك واسع ومن حجتم عموم قوله تعالى: {ادعوا ربكم} ولم يخص صفة من صفة. اختلفوا في الرفع إلى أين. فقيل إلى الصدر وقيل إلى الوجه. وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان
يرفع يديه في الدعاء حتى يرى بياض إبطيه. ولم يحد بعضهم في ذلك حدًا ورأى الأمر واسعًا ومن حجته عموم الآية. فأما مسح الوجه في الدعاء فيأتي على قول من لا يرى رفع اليدين أن لا يمسح. ويحتمل على قول من رأى اليدين أن يقول يمسح على وجهه وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بالمسح على الوجه فقال: (( إذا سألتم الله عز وجل فاسألوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها وامسحوا بها وجوهكم ) )فهذا منه عليه الصلاة والسلام إشارة إلى أنه من التضرع الذي أمر الله تعالى به فقال: {ادعوا ربكم تضرعًا وخفية} .
(56) - وقوله تعالى: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} :
فهي عامة لا ينبغي أن تخصص بشيء من الإفساد دون شيء. وقد قال الضحاك هي مخصصة ومعناها لا تغوروا الماء المعين ولا تقطعوا الشجر المثمر ضررًا. ولعل هذا منه على جهة المثال. وقد ورد أن قطع الدنانير والدراهم من الفساد في الأرض. وقيل تجارة الحكام من الفساد في الأرض وقال بعضهم المراد ولا تشركوا في الأرض بعد أن أصلحها الله تعالى ببعثة الرسل وتقرير الشرائع ووضوح ملة محمد صلى الله عليه وسلم.