(مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ) هَذَا بَيَانٌ لِوَظِيفَةِ الرَّسُولِ فِي إِثْرِ بَيَانِ كَوْنِ الْجَزَاءِ بِيَدِ اللهِ الْعَلِيمِ بِكُلِّ شَيْءٍ ، وَهِيَ أَنَّ الرَّسُولَ مِنْ حَيْثُ هُوَ رَسُولُ اللهِ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا تَبْلِيغُ رِسَالَةِ مَنْ أَرْسَلَهُ ، فَهُوَ لَا يَعْلَمُ جَمِيعَ مَا يُبْدِيهِ الْمُكَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْأَقْوَالِ وَمَا يَكْتُمُونَهُ مِنْهَا ، فَيَكُونُ أَهْلًا لِحِسَابِهِمْ وَجَزَائِهِمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ ، وَإِنَّمَا يَعْلَمُ ذَلِكَ اللهُ وَحْدَهُ ، وَفِيهِ إِبْطَالٌ لِمَا عَلَيْهِ أَهْلُ الشِّرْكِ وَالضَّلَالِ مِنَ الْخَوْفِ مِنْ مَعْبُودَاتِهِمُ الْبَاطِلَةِ وَالرَّجَاءِ فِيهَا ، وَالْتِمَاسِ الْخَلَاصِ وَالنَّجَاةِ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ بِشَفَاعَتِهَا ، فَهُوَ يَقُولُ بِصِيغَةِ الْحَصْرِ:"مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَالْبَيَانُ لِدِينِ اللهِ وَشَرْعِهِ ، فَبِذَلِكَ تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ ، وَيَكُونُ مَنْ بَلَّغَهُمْ هُمُ الْمَسْئُولُونَ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى ، وَاللهُ وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ مِنْ عَقَائِدِكُمْ وَأَقْوَالِكُمْ وَأَفْعَالِكُمْ"
فَيُجَازِيكُمْ عَلَيْهَا ، بِحَسَبِ عِلْمِهِ الْمُحِيطِ بِكُلِّ ذَرَّةٍ مِنْهَا ، فَيَكُونُ جَزَاءَهُ حَقًّا وَعَدْلًا وَيَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ كَرَمًا مِنْهُ وَفَضْلًا (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا) .
فَلَا تَطْلُبُوا سَعَادَتَكُمْ إِلَّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ ، وَلَا تَخَافُوا عَلَيْهَا إِلَّا مِنْهَا .