فسأله أبو حنيفة"كيف؟ قال الرجل: بينما أنا أقف للصلاة تصورت مكان وضع النقود ، ومتى نزل السيل ، وكيف سار ، وهكذا قست المسافة وقدرتها إلى أن عرفت موقع النقود . فضحك الإمام وقال: والله لقد علمت أن الشيطان لن يدعك تتم ليلتك مع ربك . هكذا ترى كيف يدخل الشيطان من باب الطاعة . ولذلك قال الحق: {وَأَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول واحذروا فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فاعلموا أَنَّمَا على رَسُولِنَا البلاغ المبين} [المائدة: 92] ."
أي فإن أعرضتم عمّا كلفتكم به فاعلموا أنكم بتوليكم وإعراضكم لن تضروا الرسول ؛ لأن الرسول ما كلف إلاّ أن يقوم بالبلاغ المبين ، وإنما ضررتم أنفسكم حين أعرضتم عما كلفتم به . إن الحق يعلم أزلاً أن بعضاً من عباده قد يقول: إن هذا الحكم لم يَرِد في القرآن ؛ لذلك جاء بالأمر بطاعة الرسول . وهكذا صارت للرسول طاعة مستقلة ، وأرادها الله حتى يَرُدّ مقدماً على الذين يسألون عن نص فيه كل تفصيل . بينما نجد هذه التفاصيل في السنة النبوية الشريفة .
ومثال ذلك عدد ركعات كل صلاة ، إنها لم تَرِدْ في القرآن ، ولكننا عرفناها تفصيلاً من الرسول . وفَوَّض الحق رسوله في التشريع: {وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا} [الحشر: 7] .
فسبحانه قد علم أزلاً أن هناك من سيدَّعي أنه لن يطيع إلا القرآن . ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته يحدث بحديثي فيقول: بيني وبينكم كتاب الله عزوجل ، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه ، وما وجدنا فيه حراماً حرمناه ، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله"
أي أن الرسول هو المبلغ عن ربه ، وأن علينا أن نحذر الشيطان إذا أراد أن يدخل علينا من باب الطاعة . ولكن لماذا قال الحق: {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ} ؟ وعن أي شيء يكون التولي؟