أي أنه نزل من عند الله وليس من صناعة بشر . {وبالحق نَزَلَ} أي نزل بالمنهج من عند الله الذي يقيم منطق الحق في كل نفس وكل مكان ، ويَضمن كل حق يقيم حركة الحياة .
وهنا أجملت الآية ، فقالت: {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب بالحق مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتاب} أي أن القرآن مصدق للكتب السماوية السابقة . وما الفارق بين كلمة"الكتاب"الأولى التي جاءت في صدر الآية ، وكلمة"الكتاب"الثانية؟
إننا نعلم أن هناك"ال"للجنس ، و"ال"للعهد ، فيقال"لقيت رجلا فأكرمت الرجل"، أي الرجل المعهود الذي قابلته . فكلمة الكتاب الأولى اللام فيها للعهد أي الكتاب المعهود المعروف وهو القرآن ، وكلمة الكتاب الثانية يراد بها الجنس أي الكتب المنزلة على الأنبياء قبله ، فالقرآن مهيمنٌ رقيبٌ عليها ؛ لأنها قد دخلها التحريف والتزييف .
كلمة"الحق"- إذن - تعني أن كتاب الله الخاتم لكتبه المنزلة وهو القرآن قد نزل بالحق الثابت في كل قضايا الكون ومطلوب حركة الإنسان . ونزل بالحق بحيث لم يصبه تحريف ولا تغيير .
إذن فالحق هو في مضمونه وفي ثبوت نزوله . وقد نزل القرآن بعد كتب أنزلها الله متناسبة مع الأزمنة التي نزلت فيها ؛ لأنه سبحانه خلق الخلق لمهمة أن يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن يعمروا هذا الكون بما أمدّهم به من عقل يفكر ، وطاقات تنفّذ ، ومادة في الكون تنفعل ، فإن أرادوا أصل الحياة مجرداً عن أي ترقٍ أو إسعاد فلهم في مقومات الأرض ما يعطيهم ، وإن أرادوا أن يرتقوا بأنفسهم فعليهم أن يُعملوا العقل الذي وهبه الله ليخدم الطاقات التي خلقها الله في المادة التي خلقها الله ، وحينئذ يأخذون أسرار الله من الوجود .