وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْكُفْرَ مَشْرُوطٌ بِشَرْطٍ مَعْرُوفٍ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مُنْكِرًا لَهُ أَوْ رَاغِبًا عَنْهُ لِاعْتِقَادِهِ بِأَنَّهُ ظُلْمٌ ، مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ حُكْمُ اللهِ ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُجَامِعُ الْإِيمَانَ وَالْإِذْعَانَ ، وَلَعَمْرِي إِنَّ الشُّبْهَةَ فِي الْأُمَرَاءِ الْوَاضِعِينَ لِلْقَوَانِينِ أَشَدُّ ، وَالْجَوَابُ عَنْهُمْ أَعْسَرُ ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ فِي حَقِّهِمْ لَا يَظْهَرُ ، وَإِنَّ الْعَقْلَ لَيَعْسُرُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَوَّرَ أَنَّ مُؤْمِنًا مُذْعِنًا لِدِينِ اللهِ يَعْتَقِدُ أَنَّ كِتَابَهُ يَفْرِضُ عَلَيْهِ حُكْمًا ، ثُمَّ هُوَ يُغَيِّرُهُ بِاخْتِيَارِهِ ، وَيَسْتَبْدِلُ بِهِ حُكْمًا آخَرَ بِإِرَادَتِهِ ; إِعْرَاضًا عَنْهُ ، وَتَفْضِيلًا لِغَيْرِهِ عَلَيْهِ ، وَيُعْتَدُّ مَعَ ذَلِكَ بِإِيمَانِهِ وَإِسْلَامِهِ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ مَعَ مِثْلِ هَذَا الْحَاكِمِ ، أَنْ يُلْزِمُوهُ بِإِبْطَالِ مَا وَضَعَهُ مُخَالِفًا لِحُكْمِ اللهِ ، وَلَا يَكْتَفُوا بِعَدَمِ مُسَاعَدَتِهِ عَلَيْهِ ، وَمُشَايَعَتِهِ فِيهِ ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا فَالدَّارُ لَا تُعْتَبَرُ دَارَ إِسْلَامٍ فِيمَا يَظْهَرُ ، وَلِلْأَحْكَامِ فِيهَا حُكْمٌ آخَرُ ، وَهَاهُنَا يَجِيءُ سُؤَالُ السَّائِلِ . وَقَبْلَ الْجَوَابِ عَنْهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ مَسْأَلَةٍ يَشْتَبِهُ الصَّوَابُ فِيهَا عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَهِيَ: إِذَا غَلَبَ الْعَدُوُّ عَلَى بَعْضِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ ، وَامْتَنَعَتْ عَلَيْهِمُ الْهِجْرَةُ ؛ فَهَلِ الصَّوَابُ أَنْ يَتْرُكُوا لَهُ جَمِيعَ الْأَحْكَامِ ، وَلَا يَتَوَلَّوْا لَهُ عَمَلًا أَمْ