ثانيا: قد يشكل على ما قلناه قول المسيح فيما بعد: ولكن لتعلموا أن لابن الإنسان سلطانا على الأرض أن يغفر الخطايا ، فنسب غفران الخطايا لنفسه. قلنا: آخر النص يجعلنا نحمل هذه النسبة على النسبة المجازية ، أي على معنى أن ابن الإنسان (المسيح) خوله الله أن يعلن غفران خطايا ، وذلك لأن الجملة الأخيرة في النص السابق تقول:"فلما رأى الجموع ذلك تعجبوا ومجدوا الله الذي أعطى الناس سلطانا مثل هذا ، فالغافر بالأصل والأساس هو الله تعالى ، ثم هو الذي منح هذا الحق للمسيح وأقدره عليه ، لأن المسيح كان على أعلى مقام من الصلة بالله والكشف الروحي ولا يتحرك إلا ضمن حكمه وإرادته فلا يبشر بالغفران إلا من استحق ذلك."
ومما يؤكد أن غفران المسيح للذنوب هو تخويل إجمالي من الله تعالى له بذلك ، وليس بقدرة ذاتية له ، هو أن المسيح ، في بعض الحالات ، كان يطلب المغفرة للبعض من الله تعالى فقد جاء في إنجيل لوقا [23: 34] : فقال يسوع: (يا أبتاه ! اغفر لهم ، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون.)
فانظر كيف طلب من الله غفران ذنبهم ولو كان إلها يغفر الذنوب بذاته ومستقلا ، كما ادعوا ، لغفر ذنوبهم بنفسه.
فهذا السلطان بغفران الخطايا الذي أعطاه الله تعالى للمسيح ، شبيه بذلك السلطان الذي منحه المسيح أيضا لحوارييه حين قال:
(فقال لهم يسوع أيضا: سلام لكم. كما أرسلني الآب أرسلكم أنا. ولمّا قال هذا نفخ وقال لهم: اقبلوا الروح القدس. من غفرتم خطاياه تغفر له. من أمسكتم خطاياه أمسكت) يوحنا: [20: 21 ، 23]