فدفع الظلم واجب، وإذا كان الجهر سبيله فهو واجب؛ لأن ما لَا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب، ولكن ما مدى الاستثناء الذي يسوغ الله سبحانه وتعالى به للمظلوم أن يجهر بالسوء، وأن يعلنه؛. نقول بالإجمال إن مداه هو منع الظالم من الاستمرار في ظلمه وحمله على الانتهاء عن غيِّه، وإن ذلك يشمل الأحوال الآتية: الأولى - أن يجهر الخصم بما ارتكب خصمه من مآثم في حقه أمام القاضي، فإن الجهر في هذه الحال لَا يبغضه الله تعالى؛ لأنه إقامة حق، ودفع باطل، ولقد قال تعالى: (وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ) .
ولقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ليُّ الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته"والمراد أن يغلظ له في القول، ولا يقول القاضي قولا لينا إذا ثبت مُطله في أداء الدَّين"."
الثانية - إذا كان الحاكم ظالما، فإنه يجب توجيه اللوم الشديد إليه بالنقد من غير إسفاف، ولكن لَا يقول الناقد إلا حقا، ويستر نقده، حتى يرعوى هذا من غيه وذلك إذا لم تُجدِ فيه الموعظة الحسنة، فإن كانت مجدية لَا يصح الاتجاه إلى الجهر بمظالمه.
ولقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"أفضل المجاهدين رجل قال كلمة حق أمام سلطان جائر فقتله"، وإن ذلك من قبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن نقد الفساد هو من قبيل الإنكار بالقول، وهو المرتبة الثانية من الإنكار، فقد قال - صلى الله عليه وسلم:"من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".
الثالثة - الدعوة على الظالم، فإن هذه الدعوة يصح أن تكون جهرا. ومن ذلك دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - على العرب الذين ناوءوه، فقد قال - عليه الصلاة والسلام - في دعائه:"اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف". وخص - عليه الصلاة والسلام - أسماء بالدعاء عليهم، وقد أثر عن السلف الصالح الدعاء على من ظلمهم، وكان يوصي الحسن البصري المظلوم بأن يقول في ظالمه:"اللهم أعني عليه، اللهم استخرج حقي منه، اللهم حل بينه وبين ما يريد من ظلمي".