ثم يفتح لهم - بعد هذا المشهد المفزع - باب النجاة.. باب التوبة لمن أراد النجاة:
{إلا الذين تابوا وأصلحوا ، واعتصموا بالله ، وأخصلوا دينهم لله. فأولئك مع المؤمنين. وسوف يؤتي الله المؤمنين أجراً عظيماً} ..
وفي مواضع أخرى كان يكتفي بأن يقول: {إلا الذين تابوا وأصلحوا} .. فالتوبة والإصلاح يتضمنان الاعتصام بالله ، وإخلاص الدين لله ، ولكنه هنا ينص على الاعتصام بالله ، وإخلاص الدين لله. لأنه يواجه نفوساً تذبذبت ، ونافقت ، وتولت غير الله. فناسب أن ينص عند ذكر التوبة والإصلاح ، على التجرد لله ، والاعتصام به وحده ؛ وخلاص هذه النفوس من تلك المشاعر المذبذبة ، وتلك الأخلاق المخلخلة.. ليكون في الاعتصام بالله وحده قوة وتماسك ، وفي الإخلاص لله وحده خلوص وتجرد..
بذلك تخف تلك الثقلة التي تهبط بالمنافقين في الحياة الدنيا إلى اللصوق بالأرض ، وتهبط بهم في الحياة الآخرة إلى الدرك الأسفل من النار.
وبذلك يرتفع التائبون منهم إلى مصاف المؤمنين ؛ المعتزين بعزة الله وحده. المستعلين بالإيمان. المنطلقين من ثقلة الأرض بقوة الإيمان.. وجزاء المؤمنين - ومن معهم - معروف:
{وسوف يؤتي الله المؤمنين أجراً عظيماً} .
وبهذه اللمسات المنوعة ، يكشف حقيقة المنافقين في المجتمع المسلم ، ويقلل من شأنهم ؛ وينبه المؤمنين إلى مزالق النفاق ، ويحذرهم مصيره. ويفتح باب التوبة للمنافقين ؛ ليحاول من فيه منهم خير ، أن يخلص نفسه ، وينضم إلى الصف المسلم في صدق وفي حرارة وفي إخلاص..
وأخيراً تجيء تلك اللمسة العجيبة ، الموحية المؤثرة العميقة.. أخيراً بعد ذكر العقاب المفزع ، والأجر العظيم.