شرع الحق سبحانه وتعالى قضية استفهامية هنا ، فيها معنى الإنكار وفيها معنى التوبيخ وذلك شائع في كل الأساليب التي تتفق معها في القرآن الكريم. فإذا سمعت كلمة"فمالك لا تفعل كذا"، فكأن قياس العقل يقتضي أن تفعل ، والعجيب ألا تفعل. ولا يمكن أن يأتي هذا الأسلوب إلا إذا كان يستنكر أنك فعلت شيئا كان ينبغي ألا تفعله أو أنك تركت شيئا كان عليك أن تأتي به.
فالأب يقول للابن مثلاً:"مالك لا تذاكر وقد قرب الامتحان ؟"كأن منطق العقل يفرض على الابن إن كان قد أهمل فيما مضى من العام ، فما كان يصح للابن أن يهمل قبل الامتحان ، وهذا أمر بدهي بالقياس العقلي ، فكأن التشريع والقرآن يخاطبان المؤمنين ألا يقبلوا على أي فعل إلا بعد ترجيح الاختيار فيه بالحجة القائمة عليه ، فلا يصح أن يقدم المؤمن على أي عمل بدون تفكير ، ولا يصح أن يترك المؤمن أي عمل دون أن يعرف لماذا لم يعمله ، فكأن أسلوب"فما لكم"، و"فما لك"مثل قول أولاد سيدنا يعقوب:
{مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ} [يوسف: 11] .
ما معنى قولهم هذا ؟ معناه: أي حجة لك يا أبانا في أن تحرمنا من أن نكون مؤتمنين على يوسف نستصحبه في خروجنا. فكأن القياس عندهم أنهم إخوة ، وأنهم عصبة ، ولا يصح أن يخاف أبوهم على يوسف لا منهم ولا من شيء آخر يهدد يوسف ؛ لأنهم جماعة كثيرة قوية.
وكذلك قول الحق:
{فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الانشقاق: 20] .
أي أن القياس يقتضي أن يؤمنوا. وقوله الحق:
{فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ} [المدثر: 49 - 51] .