فأبت إلى فهم وما كدت آيبا ... وكم مثلها فارقتها وهي تصفر [1]
وأورد صاحب الأغاني أول الأبيات «أقول للحيان» والأبيات الثلاثة قبله، بعد قوله: فأبت إلى فهم البيت.
وخبر هذه الأبيات [2] أنّ تأبّط شرّا كان يشتار عسلا في غار من بلاد هذيل، وكان يأتيه كلّ عام، وأنّ هذيلا ذكر لها ذلك، فرصدته لوقت، حتّى إذا هو جاء وأصحابه تدلّى، فدخل الغار. فأغارت هذيل على أصحابه وأنفروهم، ووقفوا على الغار، فحرّكوا الحبل، فأطلع رأسه، فقالوا: اصعد. قال: فعلام أصعد؟ على الطّلاقة والفداء [3] ؟ قالوا: لا شرط لك. قال: أفتراكم آخذيّ وقاتليّ وآكلي جنائي [4] . لا والله لا أفعل!
ثم جعل يسيل العسل على فم الغار، ثم عمد إلى زقّ فشدّه على صدره ثم لصق بالعسل، ولم يزل يتزلّق عليه حتّى جاء سليما إلى أسفل الجبل، فنهض وفاتهم، وبين موضعه الذي وقع فيه وبينهم مسيرة [5] ثلاثة أيام.
وقوله: «إذا المرء لم يحتل» إلخ، الحيلة من حال الشيء، إذا انقلب عن جهته، كأنّ صاحبها يريد أن يستنبط ما تحوّل عند غيره، ولذلك يقال: فلان حوّل قلّب. و «جدّ جدّه» : ازداد جدّه جدّا. والجدّ، بالكسر: الاجتهاد.
و «أضاع» : وجد أمره ضائعا، أو بمعنى ضيّع.
والمعنى: عالج أمره مدبرا فيه غير مقبل. أي: إذا المرء لم يطلب رشده في إصلاح أمره في الوقت الذي يجب أن يفعله، آل به أمره إلى الضيّاع.
(1) البيت لتأبط شرا في ديوانه ص 91والدرر 2/ 150وشرح التصريح 1/ 203وشرح شواهد الإيضاح ص 629ولسان العرب (كيد) والمقاصد النحوية 2/ 165. وهو بلا نسبة في الإنصاف 2/ 544وأوضح المسالك 1/ 302ورصف المباني ص 190وشرح ابن عقيل ص 164وشرح عمدة الحافظ ص 822وشرح المفصل 7/ 13وهمع الهوامع 1/ 130.
(2) الخبر في الأغاني 21/ 141140وشرح أبيات المغني للبغدادي 7/ 362بخلاف يسير في الرواية.
(3) كذا في جميع أصول الخزانة وشرح أبيات المغني. وفي الأغاني: = أعلى الطلاقة أم الفداء =.
(4) في شرح أبيات المغني للبغدادي: = وآكلي جناي =.
(5) كلمة: = مسيرة = ساقطة من طبعة بولاق، وهي موجودة في النسخة الشنقيطية وشرح أبيات المغني للبغدادي.