ولم يعد للمدينة القديمة وجود، فكما تغير اسمها، تغيّر العمران بها، وبنى معبدًا لـ"فينوس"و"جوبيتر"، وأخرج اليهود والنصارى منها، كما ترك منطقة الهيكل خارج البلدة الجديدة.
بيد أن هناك رواية أخرى عن سبب تسمية المدينة بهذا الاسم؛ فعن كعب أنه قال:"لا تُسَمُّوا بيت المقدس إيلياء ولكن سموه باسمه؛ فإن إيلياء امرأة بنت المدينة" [4] .
وورد اللفظ في العديد من الأحاديث النبوية؛ منها - على سبيل المثال - ما رواه مسلم عن أبي هريرةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَال: (( إنَّما يُسافَرُ إلى ثلاثةِ مساجدَ: مَسجدِ الكَعْبَةِ، ومسجدي، ومسجدِ إِيلِيَاءَ ) ). [5]
وجاء الفتح الإسلامي لبيت المقدس في عهد الخليفة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - سنة 15 للهجرة 638 من الميلاد، وكان سكانها الأصليون عربًا مسيحيين ووثنيين من الآراميين والعموريين والكنعانيين واليبوسيين، وكان لا يزال اسمها (إيلياء) حيث ورد في العُهدة العُمرية التي قدَّمها الخليفة لأهلها.
كما ورد هذا الاسم في شعر الفرزدق حينما قال:
وبَيتانِ بَيتُ اللَّهِ نَحْنُ وُلاتُهُ وبَيتٌ بِأَعْلَى إِيلِياءَ مُشَرَّفُ
وغيّر المسلمون العرب اسم المدينة من (إيلياء) إلى بيت المقدس - وهو المشهور - أو القدس أو دار السلام أو مدينة السلام، وامتاز المسلمون عن غيرهم من الفاتحين بأنَّهم لم يأخذوا المدينة عنوة بالحرب بل صلحًا، وحضر الخليفة بنفسه لتسلُّمها إكرامًا لأهلها وتأكيدًا على المكانة السامية التي تحتلها في الإسلام، وأمَّن أهلها على أنفسهم ومالهم وكنائسهم، ولم يهدم أماكن العبادة، وأعطى أهل المدينة عهدًا خطيًّا بذلك سمِّي"بالعهدة العمرية"، التي تُعتبر وثيقة مهمَّة تحترم حقوق الإنسان وتصلح أن تكون أساسًا لقواعد القانون الدولي.
ــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر"تهذيب اللغة"5/ 208 والمخصص 4/ 130 و لسان العرب 11/ 40.