قال القاضي أبو يعلى:"فقد أطلق القول فيه أنه يكفر بسبِّه لأحد من الصحابة، وتوقف في رواية عبد الله وأبي طالب عن قتله، وكمال الحد، وإيجاب التعزير يقتضي أنه لم يحكم بكفره"، قال:"فيحتمل أن يحمل قوله:"ما أراه على الإسلام"إذا استحلَّ سبَّهم، بأنه يكفر بلا خلاف، ويحمل إسقاط القتل على من لم يستحلَّ ذلك، بل فعله مع اعتقاده لتحريمه، كمن يأتي المعاصي. قال: ويحتمل أن يحمل قوله:"ما أراه على الإسلام"على سبٍّ يطعن في عدالتهم؛ نحو قوله:"ظلموا وفسقوا بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخذوا الأمر بغير حق"، ويحمل قوله"في إسقاط القتل"على سب لا يطعن في دينهم؛ نحو قوله: كان فيهم قلة علم، وقلة معرفة بالسياسة والشجاعة، وكان فيهم شحٌّ، ومحبة للدنيا، ونحو ذلك. قال: ويحتمل أن يحمل كلامه على ظاهره، فتكون في سابِّهم روايتان، إحداهما: يكفر، والثانية: يفسق، وعلى هذا استقر قول القاضي وغيره؛ حكوا في تكفيرهم روايتين".
قال القاضي:"ومن قذف عائشة - رضي الله عنها - بما برَّأها الله منه كفر بلا خلاف".
ونحن نرتب الكلام في فصلين؛ أحدهما: في حكم سبهم مطلقًا، والثاني: في تفصيل أحكام السبِّ.
أما الأوَّل: فسبُّ أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرامٌ بالكتاب والسنة، ثم أخذ في سرد الأدلَّة من الكتاب والسنة في ذلك، وبيَّن دلالاتها، وأطال، ثم قال:
"فصل في تفاصيل القول فيهم"
أما من اقترن بسبه دعوى: أن عليًّا إله، أو أنه كان هو النبي، وإنما غلط جبريل في الرسالة، فهذا لاشك في كفره، بل لاشك في كفر من توقف في تكفيره. وكذلك من زعم منهم أن القرآن نقص منه آيات وكُتمت، أو زعم أن له تأويلات باطنة تسقط الأعمال المشروعة، ونحو ذلك، وهؤلاء يُسَمَّون"القرامطة والباطنية"، ومنهم"التناسخية"، وهؤلاء لا خلاف في كفرهم.