قال ابن عبد البر: ليس مقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة إذ دخلها لحجته بإقامة ؛ لأنها ليست له بدار إقامة ولا بِمَلاذ ، ولا لِمُهَاجِريّ أن يتخذها دار إقامة ولا وطن ، وإنما كان مقامه بمكة إلى يوم التروية كمقام المسافر في حاجة يقضيها في سفر منصرفا إلى أهله ، فهو مقام مَن لا نِيَّة له في الإقامة ، ومن كان هذا فلا خلاف أنه في حُكم المسافر يقصر ، فلم يَنوِ النبي صلى الله عليه وسلم بمكة إقامة . اهـ .
الوجه السادس: أن أقوال العلماء قد تباينت في تحديد مُدّة الإقامة ؛ فروى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: ونحن نقصر ما بيننا وبين تسع عشرة فإذا زدنا أتممنا .
ورُوي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: إذا أقام عشرة أيام أتم . ذَكَره ابن عبد البر .
وتقدّم قول أنس رضي الله عنه: أقمنا بها عشرا . رواه البخاري ومسلم .
و ذَكَر ابن عبد البر في تحديد مدّة الإقامة أحد عشر قولا .
الوجه السابع: أنهم اعتبروا خروج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى منى انقطاعا لإقامته عليه الصلاة والسلام - لو صحّ اعتبارها إقامة - ومعلوم أنهم لا يقولون بِأن ما بين مكة ومِنى يُعتبر سفرا ، فإن مِنى في حُكم مكة ، وهي تابعة لها ، ولذلك اعتبر أنس رضي الله عنه إقامته صلى الله عليه وسلم في حجته عشرة أيام ، وهي مدة إقامته في حجة الوداع ، ففي رواية لِمُسْلِم من طريق يحيى بن أبي إسحاق قال: سمعت أنس بن مالك يقول: خرجنا من المدينة إلى الحج - ثم ذكر مثله - .
ويعني بِمثلِه: قلت: كم أقام بمكة ؟ قال: عشرا .
فهذا يُبيّن أن أنسا رضي الله عنه اعتبر إقامة النبي صلى الله عليه وسلم في حجته كلها بِمكة ؛ لأن منى تابعة لِمكة .
والأقوال في المسألة يجمعها ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن القصر ثلاث أيام أو أربعة ، فمن نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام أتَمّ .