ولا إشكال في إضافته لله لأن الله تبارك وتعالى هو الذي أمَرَ به وشَرَعه .
كما تقول: ناقة الله ، وتقول: ناقة قوم صالح .
قال ابن عطية في تفسيره: ولا تعارُض بين الحديثين ، لأن الأول إخبار بسابِق علم الله فيها وقضائه وكون الْحُرْمَة مُدة آدم وأوقات عمارة القُطر بإيمان .
والثاني إخبار بتجديد إبراهيم لحرمتها وإظهاره ذلك بعد الدثور .
وكل مقال من هذين الإخْبَارَين حسن في مقامه . عَظَّم الحرمة ثاني يوم الفتح على المؤمنين بإسناد التحريم إلى الله تعالى ، وذَكَر إبراهيم عند تحريمه المدينة مثالًا لنفسه ، ولا محالة أن تحريم المدينة هو أيضا من قِبَلِ الله تعالى ومْنْ نافِذ قضائه وسابِق علمه . اهـ .
وقول ابن عطية"بعد الدثور"أي بعد الاندثار .
وقال القرطبي في تفسير سورة البقرة: اخْتَلَف العلماء في مكة هل صارت حرما آمنا بسؤال إبراهيم ، أو كانت قبله كذلك ؟
على قولين:
أحدهما: أنها لم تزل حَرَمًا من الجبابرة المسلطين ومن الخسوف والزلازل ، وسائر المثُلات التي تَحِلّ بالبلاد وجعل في النفوس المتمردة من تعظيمها والهيبة لها ما صار به أهلها متميزين بالأمن من غيرهم من أهل القرى ، ولقد جَعَل فيها سبحانه من العلامة العظيمة على توحيده ما شُوهِد من أمْرِ الصيد فيها ، فيجتمع فيها الكلب والصيد فلا يُهَيّج الكلب الصيد ، ولا يَنْفُر منه ، حتى إذا خَرَجَا من الحرم عَدا الكلب عليه ، وعاد إلى النفور والهرب . وإنما سأل إبراهيم ربه أن يجعلها أمْنًا من القحط والجدب والغارات وأن يرزق أهله من الثمرات ...
الثاني: أن مكة كانت حلالا قبل دعوة إبراهيم عليه السلام كسائر البلاد ، وأن بدعوته صارت حَرما آمنا كما صارت المدينة بتحريم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمنا بعد أن كانت حلالا .