فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 670

كنتُ قد وعدت أن أسوق شيئا من أحوال السلف في إخفاء العمل وحرصهم على ذلك واجتهادهم فيه ، وهذا أوان الشروع في المقصود: لما رأى ابن عمر رجلًا يُصلي ويُتابع قال له: ما هذا ؟ قال: إني لم أصل البارحة ، فقال ابن عمر: أتريد أن تخبرني الآن ! إنما هما ركعتان . ولما قال سعيد بن جبير لأصحابه: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة ؟ قال حصين بن عبد الرحمن: قلت: أنا ، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت . فَذَكَرَ الحديث . رواه مسلم .فقوله - رحمه الله -: أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت ، لينفي عن نفسه حبّ السمعة والشهرة ، وليعلم جليسه أنه لم يكن في صلاة . وما ذلك إلا لحرصهم على الإخلاص . وقد كان عمل الربيع بن خثيم كله سِرًّا ؛ إن كان ليجئ الرجل وقد نَشَرَ المصحف ، فيغطيه بثوبه . قال الأعمش: كنت عند إبراهيم النخعي وهو يقرأ في المصحف ، فاستأذن عليه رجل فغطّى المصحف ، وقال: لا يراني هذا أني أقرأ فيه كل ساعة . قال عبدة بن سليمان: كنا في سرية مع عبد الله بن المبارك في بلاد الروم فصادفنا العدو ، فلما التقى الصفان خرج رجل من العدو فدعا إلى البِراز فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه فقتله ، ثم آخر فقتله ثم دعا إلى البِراز ، فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه فقتله ، فازدحم عليه الناس وكنت فيمن ازدحم عليه فإذا هو مُلَثّمٌ وجهه بكمه ، فأخذت بطرف كمه فمددته ، فإذا هو عبد الله بن المبارك فقال: و أنت يا أبا عمرو ! ممن يشنع علينا . قال محمد بن القاسم: صحبت محمد بن أسلم أكثر من عشرين سنة لم أره يصلي حيث أراه ركعتين من التطوع إلا يوم الجمعة ، وسمعته كذا وكذا مرة يحلف لو قدرت أن أتطوع حيث لا يراني ملكاي لفعلت خوفًا من الرياء ، وكان يدخل بيتا له ويُغلق بابه ، ولم أدرِ ما يصنع حتى سمعت ابنًا له صغيرا يحكي بكاءه ، فنهته أمُّه ، فقلت لها: ما هذا ؟ قالت: إن أبا الحسن يدخل هذا البيت فيقرأ ويبكي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت