الحمد لله بل التغليس أفضل إذا لم يكن ثمّ سبب يقتضى التأخير ، فإن الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم تبين أنه كان يغلِّس بصلاة الفجر كما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: لقد كان رسول الله يصلي الفجر فيشهد معه نساء من المؤمنات متلفعات بمروطهن ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد من الغلس . والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن في مسجده قناديل ، كما في الصحيحين عن أبى برزة الأسلمي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر بما بين الستين آية إلى المائة ، وينصرف منها حين يعرف الرجل جليسه ، وهذه القراءة هي نحو نصف جزء أو ثلث جزء ، وكان فراغه من الصلاة حين يعرف الرجل جليسه ، وهكذا في الصحيح من غير هذا الوجه أنه كان يغلِّس بالفجر ، وكذلك خلفاؤه الراشدون بعده اهـ .
10 = كيف يُجمع بين فعله هنا عليه الصلاة والسلام وبين قوله عليه الصلاة والسلام: أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر . كما عند الترمذي والنسائي ؟
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن قوله:"أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر".
فأجاب:
أما قوله"أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر"فإنه حديث صحيح لكن قد استفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يغلّس بالفجر حتى كانت تنصرف نساء المؤمنات متلفعات بمروطهن ما يعرفهن أحد من الغلس ، فلهذا فسروا ذلك الحديث بوجهين:
أحدهما: أنه أراد الأسفار بالخروج منها ، أي أطيلوا القراءة حتى تخرجوا منها مسفرين ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ فيها بالستين آية إلى مائة آية ، نحو نصف حزب .
والوجه الثاني: أنه أراد أن يتبين الفجر ويظهر فلا يُصلّى مع غلبة الظن ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلى بعد التبيّن إلا يوم مزدلفة فإنه قدّمها ذلك اليوم على عادته ، والله أعلم . اهـ .
وقال ابن القيم رحمه الله: المثال الثالث والستون: