وأشير إليها هاهنا بقوله سبحانه: وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ الآية. وبهذين الوجهين يعرف أن تأخير النساء عن آل عمران أنسب من تقديمها كما في مصحف ابن مسعود لأن المذكور هنا ذيل لما ذكر هناك وتابع فكان الأنسب في التأخير، ومن أمعن نظره وجد كثيرا مما ذكر في هذه السورة مفصلا لما ذكر فيما قبلها فحينئذ يظهر مزيد الارتباط وغاية الاحتباك) اهـ.
أقول: ما قاله الألوسي عن صلة آل عمران بسورة النساء نموذج لأقوال المفسرين حول الصلات بين السور، من محاولة ربط بين نهاية السور السابقة وبداية السور اللاحقة أو محاولة بحث عن وحدة موضوعية بين مواضيع السور عامة، والشيء الذي نحاول التدليل عليه في هذا التفسير هو أن الصلة بين السور تنتظمها قواعد أخرى وفيها أسرار أدق، وسيتضح هذا من خلال هذا التفسير، وقد لا ينتهي القارئ من قراءة ما ذكرناه حول السبع الطوال إلا ويتيقن ذلك وسيزداد يقينا كلما سار في هذا التفسير إن شاء الله.
لقد رأينا أن الآيات الأولى في سورة البقرة بدأت ب الم وانتهت بقوله تعالى وَأُولئِكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ* وأن سورة آل عمران بدأت بقوله تعالى: الم وانتهت بقوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
ونلاحظ أنه بعد مقدمة سورة البقرة جاء المقطع الأول من القسم الأول فيها، وقد بدأ بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ .. وانتهى بقوله تعالى: وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. ونلاحظ أن سورة النساء بدأت بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ .. وانتهت بقوله تعالى: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
وسنرى أنه كما أن سورة آل عمران فصلت في الآيات الأولى من سورة البقرة وما يتبعها من مقدمة سورة البقرة وما هو الألصق بمقدمة سورة البقرة، فإن سورة النساء تفصل في الآيات الأولى من المقطع الذي جاء بعد مقدمة سورة البقرة وتفصل في امتدادات هذا المحور من سورة البقرة.