وقد نهى الله الأوصياء عن أن يأكلوا مال اليتامى، فقال: (وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا) أي لَا تأكلوا في مدة وصايتكم أموال اليتامى مسرفين في الأكل، أو مبادرين بالأخذ خشية أن يكبروا، فالإسراف والبدار مصدران وقعا في موقع الحال، وهما في معنى الوصف، وليس المراد أن لهم أن يأكلوا غير مسرفين ولا مبادرين، بل إن ذلك بيان لأشنع الأحوال التي يقع فيها الأوصياء، وهي أن يأكلوا أموال اليتامى بإسراف مبادرين إلى الأكل خشية أن يكبروا فتؤخذ منهم تلك الأموال وتئول إلى أصحابها.
وقد بين سبحانه جواز الأكل من مال اليتيم عند الضرورة فقال: (وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) قسمت الآية الأوصياء إلى قسمين: غني يقوم برعاية اليتيم من غير أجر حسبة لله تعالى، وقال عنه: (فَلْيَسْتَعْفِفتْ) ومعناها ليُعِفَّ نفسه، وقال الزمخشري: إن الاستعفاف أبلغ
من العفاف؛ لأنه تحري العفاف وبلوغ أقصى غاياته، ومعنى ذلك أنه لَا يأخذ شيئا، لأن طلب أي شيء من غير حاجة طمع في مال اليتيم، يتنافى مع العفاف الذي ينبغي أن يتحلى به الأوصياء.
والقسم الثاني: فقير أذنه الله تعالى بأن يأكل من مال الصغير بالمعروف أي بالقدر الذي لَا يستنكر، فلا يسرف في الأخذ، وقد قال رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم: إني فقير ليس لي شيء ولي يتيم، فقال له:"كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر ولا متأثل"أي جامع مدخر تتجاوز الحاجة، وقد روي أن عمر بن الخطاب شبه الوالي على المسلمين بالوصي على اليتيم، قال: (ألا إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة الولي من مال اليتيم إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت) .
ونرى من هذا أن الآية تشير إلى أنه لَا تفرض أجرة للغني قط، أما الفقير فيأكل بالمعروف، ولا يكون ذلك أجرة لأنه ممنوع من التأثل والادخار"وذلك لأن اليتيم رعايته فرض كفاية على المسلمين ليخرج أليفا مألوفا، ولا يخرج منابذا الجماعة، شرا عليها."