بزينة الدنيا، والغراب أحرص الطيور والبطُّ أطلبهم لرزقه، والديك أشدهم شهوةً وكأنه
يقول: اقطع عنك زينة الدنيا والمفاخرة بها والحرص عليها وطلب الرزق فيها وإزالة
الشهوة منها؛ حتى تنال كمال حقيقة الإيمان، فإذا أسقطت عن نفسك هذه الخصال،
حليتك بصفتي في إحياء الموتى فتدعوهن فيجيبنك سعياً إليك، لأنك في ذلك الوقت
خالٍ من صفاتك، وإنما دعوتهن بصفتنا التي حليناك.
وقيل أري الخليل من نفسه الشكَّ، وما شك ليقابل بالجواب الشك ليزيده به قربةً
وكذلك الخليل يحتال في محاورة خليلهِ أبداً فلما قيل له: أولم تؤمن قال: بلى ولكن
اشتقت إلى خطابك فأنزلت نفسي منزلة الشك لأنال لذيذ خطابك، ولكن ليطمئن قلبي
فإن أكن محلاً لعتابك فإنه قيل:"ويبقى الوُدُّ ما بقي العتابُ".
وقيل في قوله:"أنى"كيف تحيي الموتى قال: أنا أحيي الموتى بالربوبية، ولا يكونُ
في الربوبية كيف، وكيف تدرك بصفات العبودية صفات الربوبية
وقال بعضهم: هذا سؤالٌ على شرط الأدب كأنه يقول: أقدرني على إحياء الموتى،
يدل عليه قوله (أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي (والطمأنينة لا تكون ضدَّ
الشك، فقوله ولكن ليطمئن قلبي عن هذه الشهوة والمنية.
وقال بعضهم: أراد أن يُصير له علم اليقين وعين اليقين فقيل له: أولم تؤمن،
والإيمان غيبيٌّ في علم اليقين فقال: بلى ولكن أسألك مشاهدة الغيب.
وقيل أرني كيف تحيي الموتى، يعني: القلوب الميتة عنك بإحيائها بك، فقيل: أولم
تؤمن أي ألست الذي كنت تستدلُّ علينا بالشمس والقمر وأفعالنا فأسقطنا عنك علة
الاستدلال، وكفا دليلك علينا: وقال سهل بن عبد الله: سأل كشف غطاء العيان.
ليزداد بنور اليقين يقيناً وتمكناً في حالهِ ألا تراهُ كيف أجاب عن لفظ الشكر ببلى.
وقيل: إنه أجاب المشركين عن التوحيد بقوله (ربي الذي يحيي ويميت (أحبَّ
أن يشاهد ذلك من صُنع خليله؛ ليصح احتجاجه عياناً.
وقيل: ولكن ليطمئن قلبي أي أنك تجيبني إلى سؤالي.
قال بعضهم: إذا سكن العبدُ إلى ربه واطمأن إليه؛ أظهر الله عليه من الكرامات ما
أقلها إحياء الموتى، قال الله تعالى لإبراهيم: (خذ أربعة من الطير) .