كالقسيّ المعطّفات بل الأسهم مبريّة بل الأوتار فقد شبه الإبل بالقسي المعطفات ، وهو تشبيه جميل لما فيه من تنويه بالنحول ، ولما فِي خلق الإبل من الحدب والانحناء. ثم جعلها مبرية على طريق الإضراب الذي يلمح إلى الغلط ، ثم ترقى فِي ذلك فجعلها كالأوتار. وهذا كله من أوابد البحتري التي أطلق عليها اسم"سلاسل الذهب"كما كان يسميها النقاد القدامى ، على أني وقفت بعد ذلك على حديث للرسول العربي محمد صلى اللّه عليه وسلم فعلمت أن البحتري لم يبتكر هذه المعاني العميقة المصوغة فِي أجمل بيان ، وأنه رمق سماء الحديث النبوي ، وأنه أخذه أخذا يسبق أسهمه المبرية ، وهو قوله صلى اللّه عليه وسلم:"لو صليتم للّه حتى تعودوا كالقسيّ ، وصمتم حتى تعودوا كالأوتار". وهذا مما أخذ بنصه وفصه.
3 -وفي هذه الآية أيضا فنّ"الطاعة والعصيان"وقد أطلق هذه التسمية شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء أبو العلاء المعري عند ما نظر فِي شعر أبي الطيب المتنبي ، وتحدث عنه فِي كتابه"معجز أحمد"، يعني أحمد المتنبي فأتى على قوله:
يردّ يدا عن ثوبها وهو قادر ويعصي الهوى فِي طيفها وهو راقد
وقال:"أراد المتنبي الطّباق فعصاه وأطاعه الجناس فإنه أراد أن يقول: يرد يدا عن ثوبها وهو مستيقظ ، فعصاه ذلك لامتناع"
دخوله فِي الوزن فقال وهو قادر لأن القادر مستيقظ وزيادة ، ليكون بينها وبين القافية تجانس ، فأطاعه الجناس المقلوب بين قادر وراقد ، وعصته المطابقة بين راقد ومستيقظ"."