أقول: هذا ما ذكره أبو العلاء المعري ، وليس فِي بيت المتنبي شيء من ذلك ، ولو أراد أن يقول:"يردّ يدا عن ثوبها وهو ساهر"أو"متنبها"بحذف لفظة"وهو"لحصل له غرضه من الطباق ولم يعصه الوزن ، وإنما مراده بيان العفاف من القادر لا من غيره ، أي أنه مع قدرته عليها لا يبيح لنفسه مدّ يده إلى إزارها ، كما أنه إذا رأى خيالها فِي المنام امتنع عنه كما يمتنع عنه فِي اليقظة. يصف نفسه ببعد الهمة عن مغازلة النساء ، إذن ففن الطاعة والعصيان الذي ابتدعه المعري ولم يوفق فِي التمثيل له أثبته علماء البيان ومثلوا له بقول ابن النبيه:
بيضاء حجّبها الواشون حين سرت عني فلو لمحت صبغ الدجى لمحت
أراد أن يقول: فلو لمحت سواد الدجى ، ليأتي نوع التدبيج بقوله بيضاء وسواد ، فعصاه الوزن فقال:"صبغ الدجى"وهو مرادف للسواد ، فصدق عليه أنه عصاه التدبيج وأطاعه فن الإرداف.
ومثله قول الأرّجانيّ:
كم رعت هذا الحي إما زائرا فردا وإما سائرا فِي جحفل
أراد أن يقول: وإما محاربا ، لتكون المقابلة بين زائر ومحارب ، ولا شك أن الزائر يكون مسالما بين قوله"فردا"وقوله"فِي جحفل"فعصاه الوزن وأعطاه لجناس اللاحق بين زائر وسائر. أما فِي الآية
الكريمة التي نحن بصددها فإنها وقع فيها التتميم ، وقد تحدثنا عنه قبل قليل فيها. ولما كان المتكلم فِي الأصل يقصد المساواة فِي كل ما يتكلم به فإذا عصته المساواة للأغراض الآنفة الذكر أطاعه التتميم فتنبه لهذا فإنه من دقائق الفنون.
[سورة البقرة (2) : آية 267]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267)
اللغة: