ويؤيد هذا المعنى، ما أخرجه ابن جرير، عن الربيع، قال: لما نزلت هذه الآية: (وَلَا يَابَ كَاتِبٌ ... ) الخ كان أحدهم يجيء إلى الكاتب فيقول: اكتب لي، فيقول: إني مشغول أو لي حاجة، فانطلق إلى غيري، فيلزمه ويقول: إنك قد أُمِرْتَ أن تكتب لي، فلا يدعه ويضاره بذلك وهو يجد غيره. فأنزل الله تعالى: (وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ) .
(وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ) :
أي وإن تفعلوا ما نهيتم عنه من المضارة، فإن فعلكم هذا فسوق وخروج عن طاعة الله متلبس بكم.
(وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ) :
واجعلوا أنفسكم في وقاية وحرز من عقاب الله: بامتثالكم ما أمركم به أو نهاكم عنه. ويعلمكم الله أحكامه المتضمنة لمصالحكم.
(وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) :
فلا يخفى عليه حالكم، فيجازيكم حسب استحقاقكم.
وتكرير لفظ الجلالة في الجمل الثلاث، لقصد التعظيم، وتربيه المهابة، وتعليل الحكم.
وفي الآية توجيه لتعليم القراءة والكتابة، لحاجة المسلمين إليها في وثائقهم.
{وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283) }
المفردات:
(وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ) : أي مسافرين فعلا، ولذا عَبَّر بقوله: (عَلَى سَفَرٍ) إشعاراً بمباشرتهم له، وتمكنهم منه تمكن الراكب مما يركبه.
(فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ) : الرهان جمع رهن، وهو ما يأخذه الدائن من الأعيان ذات القيمة ضمانًا لدينه، وهو في الأصل مصدر، وشاع استعماله في العين المرهونة، حتى أصبح فيها حقيقة عرفية.
التفسير
283 - {وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ ... } الآية.
بين الله تعالى في الآية السابقة: أن على من تداينوا أن يكتبوا الدَّيْنَ، وأن يقوم بكتابته بينهم كاتب بالعدل، لتكون الوثيقة حرزًا من النسيان أو الإنكار. وذكر من أحكام ذلك ما شرحناه.