وقيل: إن الآية نزلت في تحميل الشهادة وأدائها، وتسمية من يدعي لتحمل الشهادة شاهدًا - وهو لم يشهد بعد - على سبيل المجاز؛ لأنه مشارف لتحملها، وعلى هذا الرأي ابن عباس والحسن. قال الحسن: جمعت الآية أمرين على جهة الندب، فالمسلمون مندوبون إلى معونة إخوانهم، فإن كانت الفُسْحَةُ لكثرة الشهود والأمن من تعطيل الحق، فالمدعو مندوب، وله أن يتخلف لأدنى عذر، وإن تخلف لغير عذر فلا إثم عليه، ولا ثواب له. وإذا كانت الضرورة - وخيف من تعطيل الحق أدنى خوف - قَوِيَ الندب، وقرب من الوجوب. وإذا علم أن الحق يذهب، فقد وجب عليه أن يشهد، لأنها أمانة تقتضي الأداء .. انتهى باختصار.
روى عن الربيع: أن الآية نزلت، حين كان الرجل يطوف في القوم الكثير، فيدعوهم إلى الشهادة فلا يتبعه أحد منهم - أن نزلت للحث على تحمل الشهادة.
(وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ) :
أي ولا تملوا - لكثرة مدايناتكم أو غيرها - أن تكتبوا الدين أو الحق، صغيرًا أو كبيرًا، قليلاً أو كثيرًا، مجملًا أو مفصلاً، مستقرًا في ذمة الذي عليه الحق، إلى وقت حلوله الذي أقر به.
(ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا) :
أي ذلكم الذي تقدم من الكتابة والإشهاد على الحق، أعدل في حكم الله، وأعون في أداء الشهادة على وجهها، وأقرب إلى انتفاء ريبكم وشككم في جنس الدين وقدره وأجله ونحو ذلك.
(إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا) :
استثناء من الأمر بالكتابة، فقوله تعالى: (وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ) إلى هنا أحكام متوسطة بين المستثنى والمستثنى منه. متعلقة بالأمر بكتابة الدين، ولبعد ما بينهما نص على المطلوب بقوله: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا) . وتقدير الارتباط بين المستثنى والمستثنى منه هكذا: