واعلم أن الآية نصت على جواز قبول شهادة المرأتين مع الرجل في الدين خاصة، وذلك موضع اتفاق بين العلماء، ولا يشمل ذلك الشهادة على دين المهر، والصلح على دم العمد. فالشهادة عليهما، ليست شهادة على دين، بل على نكاح في الأولى، وعلى دم في الثانية، والنساء لا يشهدن في ذلك.
وأجاز العلماء شهادة النساء منفردات فيما لا يطلع عليه غيرهن، للضرورة: كالشهادة في الولادة والبكارة، وحياة الصبي عند الولادة. وما يجري مجرى ذلك، مما بُيِّن في كتب الفقه.
(مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) :
أي فرجل وامرأتان موصوفون جميعًا، بأنهم مرتضون عندكم أيها المسلمون أو الحكام. أي صالحون للشهادة، لعدالتهم وأمانتهم.
وَعُلِمَ من وصف الرجل والمرأتين بذلك، وجوب أن يكون الرجلان إذا شهدا متصفين بهذا الوصف. وإنما لم يُذكر هناك، اكتفاء بذكره في أحد النظيرين هنا، ليعلم منه حكم النظير الآخر.
وقال أبو حيان: إن قوله: (مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) متعلق باستشهدوا؛ ليكون قيدًا في الجميع.
(أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) :
الضلال هنا: مجاز عن النسيان.
وخلاصة المعنى: شرع الله لكم شهادة المرأتين مع رجل، بدلاً من الرجل الثاني، لإرادة أن تذكر إحداهما الأخرى إن نسيت.
وأصلى المعنى - حسب النص - شرع لكم شهادة المرأتين بدل رجل، خشية أن تضل إحداهما فتذكرها الأخرى. نقول: وذلك لأن النسيان غالب على طبع النساء فيما ليس من شأنهن ممارسته:
(وَلَا يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) :
أي ولا يمتنع الشهداء عن أداء الشهادة أمام الحاكم إذا دعوا إليها. وهذا تفسير مجاهد، وابن جبير.