المعنى: ولا يمتنع كاتب من أن يكتب للناس وثائقهم وعقودهم لأجل تعليم الله له وتميزه بالكتابة، فإنَّ تفضُّل الله عليه بعلم الكتابة، يبعثه ويدعوه إلى أن يتفضل بها على الناس؛ ليؤَديَ حق الله عليه، على حد قوله تعالى:"وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللهُ"أي لأجل إحسان الله إليك وذلك حسب القاعدة التي قررها قوله تعالى"هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ".
ويصح أن يكون المعنى: ولا يمتنع كاتب أن يكتب بالعدل، كما علمه الله بقوله: (وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ) والكاف على هذا بمعنى مثل، نعت لمصدر مقدر. والتقدير: أن يكتب كَتْبًا مثل الذي علمه الله إياه.
(فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ) :
لم يكتف الله بنهي الكاتب العدل الفقيه عن الامتناع عن الكتابة، بل أمره بها أمرًا صريحًا، بقوله تعالى: (فَلْيَكْتُبْ) وذلك مؤذن بأن كتابته للوثائق حق عليه للمجتمع، لا يحق له أن يتخلى عنها، ولهذا ذهب بعض الفقهاء إلى أنها من فروض الكفايات. إن وجد عدد من الكتاب، وإلا فهي فرض عين عليه، وقد أعطى الله الحق في إملاء الكاتب
للمدين، الذي عليه الحق بقوله:
(وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ) :
والإملال والإملاء بمعنى واحد، وهو التلقين. وإنما أعطى حق الإملاء للمدين، لأنه هو المشهور. وعليه، فلابد من أن يكون هو المقر لا غيره، حتى لا يقع عليه غبن.
(وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا) :
هذا يصلح أن يكون أمرًا للمدين الذي عليه الحق، وهو ما ذهب إليه سعيد بن جبير، وأن يكون أمرًا للكاتب.
فعلى الأول، يكون المعنى: وليتق اللهَ المدينُ، الذي عليه الحق، ولا ينقص من الدين حين الإملاء شيئًا، ولم كان حقيرًا، بل يعترف به، كما اتفق عليه مع الدائن؛ منعًا للنزاع بينهما.
وعلى الثاني، يكون المعنى: وليتق الله الكاتب، ولا ينقص من حق كل من الدائن والمدين شيئًا، بل يثبت لكل منهما حقَّهُ كاملاً، فلا ينحاز إلى أحدهما، ولا يضيع شيئًا على أي منهما. كما هو الشأن في العدل بين الناس.