والآيتان جملة تامة احتوتا مبادئ قرآنية محكمة تكرر تقريرها في القرآن المكي والمدني بأساليب متنوعة. منها: العقيدة الإسلامية وهي الإيمان بالله وكتبه وملائكته ورسله بدون تفريق والسمع والطاعة وإسلام النفس إطلاقا لله. ومنها: أن الله عز وجل قد جعل الإنسان أهلا وذا قابلية لاكتساب أعماله ورتب عليه نتائج ذلك. فما اكتسبه من أعمال سيئة فجريرتها عليه وما اكتسبه من أعمال سنية فله أجره عليها. ومنها: أن الله تعالى لا يؤاخذ عباده على ما يصدر منهم بسائق الخطأ والنسيان. ومنها: أن الله تعالى جعل الشريعة الإسلامية خالية من التكاليف الشديدة التي فرضت على الملل السابقة. ومنها: أن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها ولا يحملها ما لا طاقة لها به. ومنها: أن الله مولى المؤمنين ووليهم وأنهم منصورون على الكافرين ومعفوّ عنهم ومغفور لهم ومشمولون برحمته إذا ما آمنوا واتقوا وأخلصوا حقّ الإيمان والتقوى والإخلاص.
وقد تكون صيغة الآية الثانية لا تنطوي على تقرير هذه المبادئ تقريرا مباشرا. غير أن الله وقد شاءت حكمته أن يعلم المؤمنين أن يدعوه بما دعوه تكون قد شاءت أن يستجيب لهم وتغدو مبادئ قرآنية. وهذا مدعوم الحديث الصحيح الذي أوردناه وفيه سبب نزول الآية، فضلا عن أن هذه المبادئ مما
تكرر تقريرها في القرآن تقريرا ربانيا مباشرا مما مرّ منه أمثلة كثيرة وعلقنا عليها وأوردنا أحاديث نبوية متساوقة معها. ومبدأ عدم تكليف الله نفسا إلا وسعها مقرر لأول مرة في آية سورة الأعراف [42] ومبدأ كون الله أرسل رسوله ليضع عن الناس الإصر والأغلال التي كانت عليهم مقرر في الآية [157] من سورة الأعراف أيضا.
ومبدأ عدم مؤاخذة الله للمسلمين على ما يصدر منهم بسائق الخطأ والنسيان متسق مع مبدأ عدم تكليف الله نفسا غير وسعها وعدم تحميلها ما لا طاقة لها به.
ومثل هذا يقال بالنسبة لمبدأ عدم مؤاخذة الله الناس بما نسوه أو فعلوه خطأ.
فإن ذلك متسق مع هذا المبدأ أيضا. وهناك حديث رواه ابن ماجه في سننه وابن حبان وصححه عن ابن عباس أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» .