وهنا لفتة تشريعية إيمانية تدل على استطراق كل حكم شرعي فِي جميع المكلفين وإن لم يكن الحكم ماسا لهم ؛ فالمتوفى عنها زوجها تربصت أربعة أشهر وعشرا وبلغتها فِي مدة العدة ، وكان من حكم الله عليها ألا تتزين وألا تكتحل وألا تخرج من بيتها وفاءً لحق زوجها فإذا بلغت الأجل وانتهى قال:"فلا جناح عليكم فيما فعلن فِي أنفسهن"، ولم يقل: فلا جناح عليهن. لقد وجه الخطاب هنا للرجال ؛ لأن كل مؤمن له ولاية على كل مؤمنة ، فإذا رأى فِي سلوكها أو أسلوب عنايتها بنفسها ما ينافي العدة فله أن يتدخل. مثلا إذا رآها تتزين قال لها أو أرسل إليها من يقول لها: لماذا تتزينين ؟ إن قول الله:"فلا جناح عليكم"يجعل للرجال قوامة على المتوفى عنها زوجها ، فلا يقولون: لا دخل لنا ؛ لأن الحكم الإيماني حكم مستطرق فِي كل مؤمن وعلى كل مؤمن. فالحق سبحانه وتعالى يقول:
وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ
(من الآية 3 سورة العصر)
إن قوله الحق:"تواصوا"لا يعني أن قوما خصوا بأنهم يوصون غيرهم وقوما آخرين يوصيهم غيرهم ، بل كل واحد منا موصٍ فِي وقت ؛ وموصى من غيره فِي وقت آخر ، هذا هو معنى"وتواصوا". فإذا رأيت فِي غيرك ضعفا فِي أي ناحية من نواحي أحكام الله ، فلك أن توصيه. وكذلك إن رأى غيرك فيك ضعفا فِي أي ناحية من النواحي فله أن يوصيك ، وعندما نتواصى جميعا لا يبقى لمؤمن بيننا خطأ ظاهر.