وَمِنْهَا: أَنَّ الْعِدَدَ لَيْسَتْ مِنْ بَابِ الْعِبَادَاتِ الْمَحْضَةِ؛ فَإِنَّهَا تَجِبُ فِي حَقِّ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ وَالْعَاقِلَةِ وَالْمَجْنُونَةِ وَالْمُسْلِمَةِ وَالذِّمِّيَّةِ، وَلَا تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ.
وَمِنْهَا: أَنَّ رِعَايَةَ حَقِّ الزَّوْجَيْنِ وَالْوَلَدِ وَالزَّوْجِ الثَّانِي ظَاهِرٌ فِيهَا؛ فَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: هِيَ حَرِيمٌ لِانْقِضَاءِ النِّكَاحِ لَمَّا كَمُلَ، وَلِهَذَا تَجِدُ فِيهَا رِعَايَةً لِحَقِّ الزَّوْجِ وَحُرْمَةً لَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مِنْ احْتِرَامِهِ وَرِعَايَةِ حُقُوقِهِ تَحْرِيمُ نِسَائِهِ بَعْدَهُ، وَلَمَّا كَانَتْ نِسَاؤُهُ فِي الدُّنْيَا هُنَّ نِسَاؤُهُ فِي الْآخِرَةِ قَطْعًا، لَمْ يَحِلَّ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهِنَّ بَعْدَهُ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ؛ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ مَعْلُومًا فِي حَقِّهِ، فَلَوْ حُرِّمَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى غَيْرِهِ لَتَضَرَّرَتْ ضَرَرًا مُحَقَّقًا بِغَيْرِ نَفْعٍ مَعْلُومٍ، وَلَكِنْ لَوْ تَأَيَّمَتْ عَلَى أَوْلَادِهَا كَانَتْ مَحْمُودَةً عَلَى ذَلِكَ.
وَقَدْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُبَالِغُونَ فِي احْتِرَامِ حَقِّ الزَّوْجِ وَتَعْظِيمِ حَرِيمِ هَذَا الْعَقْدِ غَايَةَ الْمُبَالَغَةِ مِنْ تَرَبُّصِ سَنَةٍ فِي شَرِّ ثِيَابِهَا وَحَفْشِ بَيْتِهَا، فَخَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ ذَلِكَ بِشَرِيعَتِهِ الَّتِي جَعَلَهَا رَحْمَةً وَحِكْمَةً وَمَصْلَحَةً وَنِعْمَةً، بَلْ هِيَ مِنْ أَجْلِ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَلَهُ الْحَمْدُ كَمَا هُوَ أَهْلُهُ.
وَكَانَتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا عَلَى وَفْقِ الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ؛ إذْ لَا بُدَّ مِنْ مُدَّةٍ مَضْرُوبَةٍ لَهَا، وَأَوْلَى الْمُدَدِ بِذَلِكَ الْمُدَّةُ الَّتِي يُعْلَمُ فِيهَا بِوُجُودِ الْوَلَدِ وَعَدَمِهِ؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ أَرْبَعِينَ عَلَقَةً، ثُمَّ أَرْبَعِينَ مُضْغَةً فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ فِي الطَّوْرِ الرَّابِعِ، فَقُدِّرَ بِعَشَرَةِ أَيَّامٍ لِتَظْهَرَ حَيَاتُهُ بِالْحَرَكَةِ إنْ كَانَ ثَمَّ حَمْلٌ. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...