الْمَقَامُ الثَّانِي فِي أَجْنَاسِهَا، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَخَامِسٌ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الْجِنْسُ الْأَوَّلُ: أُمُّ بَابِ الْعِدَّةِ، {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]
الثَّانِي: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234]
الثَّالِثُ: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]
الرَّابِعُ: {وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ} [الطلاق: 4]
الْخَامِسُ: قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
«لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَسْتَبْرِئَ بِحَيْضَةٍ»
وَمُقَدَّمُ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ كُلِّهَا الْحَاكِمُ عَلَيْهَا كُلِّهَا وَضْعُ الْحَمْلِ، فَإِذَا وُجِدَ فَالْحُكْمُ لَهُ، وَلَا الْتِفَاتَ إلَى غَيْرِهِ، وَقَدْ كَانَ بَيْنَ السَّلَفِ نِزَاعٌ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا أَنَّهَا تَتَرَبَّصُ أَبْعَدَ الْأَجَلَيْنِ، ثَمَّ حَصَلَ الِاتِّفَاقُ عَلَى انْقِضَائِهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ؛ وَأَمَّا عِدَّةُ الْوَفَاةِ فَتَجِبُ بِالْمَوْتِ، سَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ عُمُومُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ وَاتِّفَاقُ النَّاسِ؛ فَإِنَّ الْمَوْتَ لَمَّا كَانَ انْتِهَاءَ الْعَقْدِ وَانْقِضَاءَهُ اسْتَقَرَّتْ بِهِ الْأَحْكَامُ: مِنْ التَّوَارُثِ، وَاسْتِحْقَاقِ الْمَهْرِ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ بِالْعِدَّةِ هَا هُنَا مُجَرَّدَ اسْتِبْرَاءِ الرَّحِمِ كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ؛ لِوُجُوبِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَلِحُصُولِ الِاسْتِبْرَاءِ بِحَيْضَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلِاسْتِوَاءِ الصَّغِيرَةِ وَالْآيِسَةِ وَذَوَاتِ الْقُرُوءِ فِي مُدَّتِهَا، فَلَمَّا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ قَالَتْ طَائِفَةٌ: هِيَ تَعَبُّدٌ مَحْضٌ لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ، وَهَذَا بَاطِلٌ لِوُجُوهٍ:
مِنْهَا: أَنَّهُ لَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ حُكْمٌ وَاحِدٌ إلَّا وَلَهُ مَعْنًى وَحِكْمَةٌ يَعْقِلُهُ مَنْ عَقَلَهُ وَيَخْفَى عَلَى مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ.