وقالوا: إن الله قد فرّق الطلاق بقوله: {الطلاق مَرَّتَانِ} أي مرة بعد مرة ، وما كان مرة بعد مرة لا يملك المكلف إيقاعه دفعة واحدة ، مثل (اللعان) لا بدّ ن التفريق فيه ، ولو قال: أشهد بالله أربع شهادات إني لمن الصادقين كان مرة واحدة ، ولو قال المقر بالزنى: أنا أقر أربع مرات أني زنيت كان مرة واحدة ، وقالوا: إن الشارع طلب أن يسبح العبد ربه ويحمده ، ويكبّره دبر كل صلاة (ثلاثاً وثلاثين) ولا يكفيه أن يقول: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين ، ولا بدّ من التفريق حتى يكون قد أتى بالأمر المشروع .
وقد أطال ابن القيم رحمه الله فِي كتابه"أعلام الموقعين"القول فِي المسألة وانتصر لرأي ابن تيمية ، وفعل مثله (الشوكاني) فِي كتابه"نيل الأوطار"وله رسالة خاصة فِي تفنيد أدلة الجمهور .
أقول: كلُّ ما استدل به الفريق الثاني لا يقوى على ردّ أدلة الجمهور وعلى إجماع الصحابة ، وكفى بهذا الإجماع حجة وبرهاناً وهذا ما ندين الله عز وجل به . ونعتقد أنه الصواب ، لأن مخالفة إجماع الصحابة وإجماع الفقهاء ليس بالأمر اليسير .
ويحسن بنا أن ننقل ما كتبه العلامة القرطبي فِي تفسير"الجامع لأحكام القرآن"حيث قال - رحمه الله:"واتفق أئمة الفتوى على لزوم إيقاع الطلاق الثلاث فِي كلمة واحدة ، وهو قول جمهور السلف ، وشذّ طاوس وبعض أهل الظاهر فقالوا: إن طلاق الثلاث فِي كلمة واحدة يقع واحدة ، ويحكى عن داود أنه لا يقع ، وجمهور السلف والأئمة أنه لازم واقع ثلاثاً ، ولا فرق بين أن يوقع ثلاثاً مجتمعة فِي كلمة أو متفرقة فِي كلمات ، واستدل من قال بوقوعه واحدة بأحاديث ثلاثة:"
أحدهما: حديث ابن عباس من رواية طاوس ، وأبي الصهباء ، وعكرمة .
وثانيها: حديث ابن عمر على رواية من روى أنه طلق امرأته ثلاثاً ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره برجعتها واحتسبت واحدة .