واعلم أن الآية دالة على أن الروح جوهر قائم بنفسه باق بعد موت البدن ، لأنه تعالى سمى الموت فراقاً ، والفرق إنما يكون لو كانت الروح باقية ، فإن الفراق والوصال صفة ، والصفة تستدعي وجود الموصوف.
وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29)
الالتفاف هو الاجتماع ، كقوله تعالى: {جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا} [الإسراء: 104] وفي الساق قولان: القول الأول: أنه الأمر الشديد ، قال أهل المعاني: لأن الإنسان إذا دهمته شدة شمر لها عن ساقه ، فقيل للأمر الشديد: ساق ، وتقول العرب: قامت الحرب على ساق ، أي اشتدت ، قال الجعدي:
أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها.. وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا
ثم قال: والمراد بقوله: {والتفت الساق بالساق} أي التفت شدة مفارقة الدنيا ولذاتها وشدة الذهاب ، أو التفت شدة ترك الأهل ، وترك الولد ، وترك المال ، وترك الجاه ، وشدة شماتة الأعداء ، وغم الأولياء ، وبالجملة فالشدائد هناك كثيرة ، كشدة الذهاب إلى الآخرة والقدوم على الله ، أو التفت شدة ترك الأحباب والأولياء ، وشدة الذهاب إلى دار الغربة والقول الثاني: أن المراد من الساق هذا العضو المخصوص ، ثم ذكروا على هذا القول وجوهاً أحدها: قال الشعبي وقتادة: هما ساقاه عند الموت أما رأيته في النزع كيف يضرب بإحدى رجليه على الأخرى والثاني: قال الحسن وسعيد بن المسيب: هما ساقاه إذا التفتا في الكفن والثالث: أنه إذا مات يبست ساقاه ، والتصقت إحداهما بالأخرى.
إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30)
المساق مصدر من ساق يسوق ، كالمقال من قال يقول ، ثم فيه وجهان أحدهما: أن يكون المراد أن المسوق إليه هو الرب والثاني: أن يكون المراد أن السائق في ذلك اليوم هو الرب ، أي سوق هؤلاء مفوض إليه.
فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (31)
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
أنه تعالى شرح كيفية عمله فيما يتعلق بأصول الدين وبفروعه ، وفيما يتعلق بدنياه.