عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ الله يَحك الْمُعَوِّذَتَيْنِ مِنْ مَصَاحِفِهِ، وقال: لَا تَخْلِطُوا فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ.
عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، قَالَ: قُلْتُ لأُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ: إِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ لَا يَكْتُبُ الْمُعَوِّذَتَيْنِ في مُصْحَفِهِ. فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أخبرني أَنَّ جِبْرِيلَ - عليه السلام - قَالَ لَهُ: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} فَقُلْتُهَا. فَقَالَ: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} فَقُلْتُهَا. فَنَحْنُ نَقُولُ مَا قَالَ النبي - صلى الله عليه وسلم -.
لكنه يحمل على أكمل أحواله - رضي الله عنه - من هذه الوجوه:
الأول: لم ينكر ابن مسعود كونهما من القرآن، وإنما أنكر إثباتهما في المصحف.
قال الحافظ: وقد تأول القاضي أبو بكر الباقلاني في كتاب (الانتصار) وتبعه عياض وغيره ما حُكي عن ابن مسعود فقال: لم ينكر ابن مسعود كونهما من القرآن، وإنما أنكر إثباتهما في المصحف، فإنه كان يرى أن لا يكتب في المصحف شيئًا إلا إن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن في كتابته فيه، وكأنه لم يبلغه الإذن في ذلك. قال: فهذا تأويل منه وليس جحدًا لكونهما قرآنا. وهو تأويل حسن إلا أن الرواية الصحيحة الصريحة التي ذكرتها تدفع ذلك حيث جاء فيها ويقول: (أنهما ليستا من كتاب الله) نعم يمكن حمل لفظ كتاب الله على المصحف فيتمشى التأويل المذكور.
الثاني: لم يكتب عبد الله المعوذتين؛ لأنه أمن عليهما من النسيان، فأسقطهما وهو يحفظهما. وهذا لا يدل على الإنكار.
قال ابن قتيبة: وأما إسقاطه الفاتحة من مصحفه فليس لظنه أنها ليست من القرآن - معاذ الله - ولكنه ذهب إلى أن القرآن إنما كتب وجمع بين اللوحين مخافة الشك والنسيان والزيادة والنقصان.
ومعنى هذا أن عدم كتابة ابن مسعود للفاتحة في مصحفه كان سببه وضوح أنها من القرآن وعدم الخوف عليها من الشك والنسيان والزيادة والنقصان.
كما أسقط فاتحة الكتاب من مصحفه، وما يشك في حفظه وإتقانه لها.